ونزل الوحي لينذر من في الأرض من هذا الخطر الذي ينتظرهم فجأة وهو يوم الحساب على الخضوع، ولكن البعض تجاهل كل الإخطار التي حوله وعاش في الحياة هادئا مطمئنا معتقدا بأن هذه هي حياته راضيا بأن حياته على هذه الأرض فهو مطمئن وراض بالحياة الدنيا رغم أن وجود الإنسان على الأرض ليس حياة يقيم فيها ويسكن ولكنها مجرد طريق وسفر واختبار وليست معدة للمعيشة، والحياة التي يعيشها الناس ويقيمون فيها هي في الآخرة: (( إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ، أُولَئِكَ مَاوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) ) [1] ، فالحياة التي يعيش فيها الإنسان ويأكل ويشرب ويلبس ويقيم هي الآخرة أما هذه الحياة التي نعيشها فهي حياة كاذبة مؤقتة مثل الحياة التي يعيشها عابر السبيل ليصل إلى بيته ووطنه: (( وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إلا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الآخرة لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ) ) [2] ،"الحيوان"أي الحياة الحقيقية وفي الآية: (( يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي ) ) [3] أي لحياته في الآخرة، لذلك من الناس من تكون قضيته كيف يعيش حياته وكيف يقوم بشئون معيشته وكيف يدبر أموره المعيشية وهو لا يدري أنها ليست بحياة وأنها مجرد سفر أوشك أن ينتهي، أما الذي يدرك أنه على سفر فهو منشغل بسفره عن هذه الأمور المعيشية المؤقتة فهو لا يبالي بلقيمات تعينه على سفره كيفما اتفق ولا يبالي كيف تكون هذه الحياة المعيشية العابرة لأنها زائلة سريعا فتكون عنده كيفما اتفق.
ـ عندما يتصور الإنسان خطرا هائلا يصل إلى درجة التحير حيث لا يستطيع أن يتصور فوق ذلك.
ـ فالعقل يستطيع أن يتصور مدى خطورة أمر ما أو مدى فيه من الألم أو مدى ما فيه من اللذة، ولكن قد يزيد مدى الخطورة أو درجة الألم أو درجة اللذة إلى درجة يطيش لها العقل ويتحير ولا يستطيع تصورها من مدى شدتها.
ـ فمثلا لا يستطيع العقل أن يتصور مدى حجم هذا الكون الهائل كله، ولا يستطيع أن يتصور مدى دقة كل هذا النظام القائم به، وبالتالي لا يستطيع أن يتصور مدى قدرة الله الهائلة على إيجاد كل هذا الكون الهائل ومدى علم الله على إيجاد هذا النظام الدقيق، ولا يستطيع العقل أن يتصور مدى قدرة الله على فعل كل شيء وأي شيء: (( فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ(3) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ )) [4] .
ـ وكذلك أهوال القيامة وآلام النار تفوق كل التصورات، فأقصى ما يتصوره العقل هو أن يرى إنسان موضوع داخل نار الدنيا وهو يحترق، ولا يستطيع أن يتصور أن هذا الألم لا شيء أمام نار الآخرة.
ـ وكذلك اقتراب الموت ولقاء الله والآخرة خطر هائل وواقع محقق الآن، لا يمكن أن يتصور الإنسان مدى خطورة أنه بينه وبين الآخرة لحظات، فهذا أمر يطيش له العقل ويتحير، والأخطر أن الأمر يأتي فجأة وبغتة في أي لحظة.
ـ وكذلك لذات الجنة التي فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، فهذا أمر يطيش له العقل ويتحير.
ـ الهدوء التام أمام المخاطر!:
ـ العجيب أن الإنسان يعيش في هدوء تام وغفلة تامة عن هذه المخاطر الهائلة، فهو يوقن بها نظريا ولكن لا يشعر بخطرها مطلقا.
ـ وأراد الله أن تكون الدنيا معزولة تماما عن هذه المخاطر وهادئة تماما، فالإنسان لا يرى الغيبيات بعينه فلا يرى تلك المخاطر، وجعل الله ذلك ليختبر الإنسان، فقد أتى له بالأدلة القاطعة على هذه المخاطر بالآيات الكونية ومعجزات الرسل وإعجاز القرآن والسنة، ولكن الإنسان لم يستعمل عقله فيعقل الأمر ولكن تناسى الأمر وهرب منه، وهو لن يستطيع أن يهرب من هذه المخاطر التي تلاحقه لتفتك به.
(1) يونس: 7، 8
(2) العنكبوت: 64
(3) الفجر: 24
(4) الملك: 3، 4