فهرس الكتاب

الصفحة 53 من 249

ـ الرسل جاءت تحذر من هذه المخاطر ولكن لا حياة لمن تنادي، ولكن بعد لحظات من الآن نجد أنفسنا واقفين على أرض المحشر لنتذكر تحذير الرسل ولكن ذلك لا ينفع.

ـ والعجيب أن الإنسان يشعر بالخطر في آلام الدنيا ولذاتها ولا يشعر بالخطر في آلام الآخرة ولذاتها، رغم أن الدنيا بكل آلامها ولذاتها ليست بشيء بالمقارنة بالآخرة.

ـ الذي يتناسى المخاطر سوف يدفع الثمن غاليا، والذي يعقل الأمر فيتصور الخطر ويشعر به وينشغل به همه فقد فاز.

ـ مفهوم الشعور بالتحير:

ـ هو التصور للأمر الخطير الهائل، ومعناه التعجب والدهشة والاستغراب والذهول من الأمر المؤثر والانتباه واليقظة إلى خطره، وأعظم شيء مؤثر هو أن لك إله، فكلمة (إله) في اللغة أي الذي تتحير وتندهش وتتعجب وتعجب وتنبهر من مدى عظمة صفاته والتي تتمثل في خرق الأسباب فتحبه إعجابا بمدى قدرته الهائلة وتخاف من هيبته، ففي النهاية في غريب الأثر: (( ألِهَ يألَهُ إذا تَحَيَّر، يُريد إذا وقع العبد في عظمة اللّه تعالى وجلاله وغير ذلك من صفات الربوبية وصرف وهمه إليها أبْغَض الناس حتى لا يميل قلبه إلى أحد ) ) [1] ، وفي غريب الحديث لابن قتيبة: (( أَلِهَ يَالَه إذا تحيِّر كأَنَّ القُلوب تالَهُ عند التفكّر في عَظَمة اللّه ... إذا وَقَع العَبْد في هذه الدَّرجَة لم يُعْجِبهُ أَحد ولم يُحبّ إلا الله عز وجلَّ َّ ) ) [2] .

ـ أي اليقظة والانتباه والتعجب والذهول من اكتشاف حقائق الأمور والانتباه إلى ضررها الكبير أو نفعها الكبير، وهو شعور يحدث فيه انزعاج ودهشة وذهول عندما يفقه ويشعر بخطورة الأمر.

ـ فالشعور بقدر الله والآخرة هو شعور بالتحير والانزعاج والدهشة والتعجب والاستغراب من روعة الانبهار والذهول والدهشة من مدى عظمة الخالق وصفاته الخارقة للأسباب ومن عجائب وغرائب الآخرة التي هي حياة فوق مستوى الخيال ومن مدى ضآلة الدنيا وضعف الإنسان.

ـ والشعور بالقيمة للدنيا وللغيبيات يقترب من مفهوم (اليقظة) التي عرفها ابن القيم بأنها انزعاج القلب لروعة الانتباه من رقدة الغافلين [3] ، فمثلا مجرد المعرفة النظرية بالآخرة لا يكفى، ولكن عندما ينتبه إلى مدى خطورة الآخرة في أنها مصيره وحياته وأنه راحل إليها فيحدث له انزعاج ودهشة وعجب وغرابة من روعة ما عرف فكأنه أفاق ويكتشف أنه كان فاقد الوعى عن خطر الآخرة، ويكتشف أنه كان في غفلة من هذا فيفيق من رقدة الغافلين ويستيقظ من نومه، ولذلك ففي الحديث: (( ما رأيت مثل النار نام هاربها ولا مثل الجنة نام طالبها ) ) [4] ، وهذا النائم يحتاج إلى اليقظة والشعور بالقيمة لمدى خطورة الآخرة وألم النار ولذة الجنة وقدر الله ليفيق.

ـ كل إنسان يعرف الحق والمطلوب أن يعقل ما يعرفه فلا يتناساه:

ـ كل إنسان عنده معلومات موجودة في يقينه النظري بالله والآخرة وحقيقة الدنيا وما هو حق وما هو باطل، لكنه قد لا يتعامل مع هذه المعلومات مطلقا فلا يوجد أي رد فعل أو انفعالات أو تأثر بهذه المعلومات، فلا يتأثر عقله بأن يتصورها ويشعر بقيمتها وينشغل بها ولا تتأثر المشاعر وتتفاعل بها ولا تتأثر الجوارح بالعمل، فقد تعطلت وظائف الإنسان جميعها وأصبحت تعمل بصورة متخبطة، فالإنسان عندئذ كأنه ميت لا يحس ولا يتأثر ولا يستجيب لما في داخله من معلومات: (( إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إليه يُرْجَعُونَ ) ) [5] ، (( لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ ) ) [6] .

(1) النهاية في غريب الأثر ـ المكتبة العلمية - بيروت (1/ 62)

(2) غريب الحديث لابن قتيبة ـ مطبعة العاني - بغداد (3/ 728 ـ 728)

(3) مدارج السالكين ـ دار الكتاب العربي - بيروت (1/ 142)

(4) التخريج: حسن (صحيح الترغيب والترهيب برقم 3662)

(5) الأنعام: 36

(6) يس: 70

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت