همه بالدنيا والشهوات وتلهيه حتى ينقطع همه عن الله والآخرة نهائيا وينقطع تفكيره عن الغيبيات، ففي الحديث: (( إن المؤمن إذا أذنب كانت نكتة سوداء في قلبه فإن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه فإن زاد زادت فذلك الران الذي ذكره الله في كتابه {كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون} ) ) [1] ، فالمعصية تصبح سهلة عنده، ففي الحديث: (( إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مر على أنفه فقال به هكذا أي بيده فذبه عنه ) ) [2] .
ـ فهناك تعارض بين العمل بالشهوات وعمل العقل، فإذا اختار العمل بالشهوات أغلق عقله، وإذا اختار عقله فلابد أن ينهى نفسه عن الشهوات: (( فَأَمَّا مَنْ طَغَى، وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا، فإن الْجَحِيمَ هِيَ الْمَاوَى، وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى، فإن الْجَنَّةَ هِيَ الْمَاوَى ) ) [3] .
ـ وكما أن الإعراض عن كلام المتحدث هو إعراض عن المتحدث، فكذلك الإعراض عن أوامر المتحدث كأنه لم يسمعها أو كأنها لا قيمة لها هو أيضا إعراض عن المتحدث.
ـ حقيقة الطاعة هي تنفيذ أوامر وهي صورة من صور الخضوع، والإنسان يهرب من الطاعة باعتبارها مسألة تنفيذ أوامر بنفس الطرق السابقة، أي يتجاهل أوامر المتحدث ويتناساها ويتغافل عنها ولا يبالي بها ويتلهي عنها ولا يشغل باله بها رغم العلم بالحلال والحرام وأنه يجب إتباع أوامر الشرع.
ـ لا تتأثر المشاعر بالمتحدث أو بكلامه أو بالأمور المذكورة في كلامه (المتحدث هو آيات الكون أو دعوة الرسل أو الرسل أو الرسول صلى الله عليه وسلم أو القرآن أو الدين أو الله سبحانه وتعالى، والحديث هو الأمر بالخضوع من خلال بيان ضعف الإنسان وقوة الخالق ووقوع الإنسان تحت أمر الخالق سبحانه) .
ـ فهو لا يحب سماع المتحدث: (( وَإذا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخرة وَإذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ) ) [4] ، ويكره كلام المتحدث لأنه لا يحب الخضوع: (( ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أعمالهُمْ ) ) [5] .
ـ الإنسان العاقل يخاف من الشيء المخيف ويحب الشيء المحبوب ويرجو الشيء النافع ويخضع لمن هو أقوى منه (والله هو وحده القوى وكل ما سواه ضعيف) ، ولكن تعطيل العقل يؤدي إلى أن تتعطل المشاعر فيخاف الإنسان من شيء غير مخيف ويحب شيء غير محبوب ويرجو شيئا لا ينفعه ولا يضره أو يرجو شيئا يضره ويخضع لما ليس له سلطان عليه، وهو بذلك لا يعقل، فتعطيل المشاعر يعنى غياب المشاعر المتعلقة بالله والآخرة.
ـ إن الشيء الذي لا تخافه ولا ترجوه ولا تحبه ولا تكرهه ولا تشعر تجاهه بأي شيء هو شيء لا قيمة له أو هو شيء له قيمة ولكنك فاقد العقل، كما أن عدم الشعور بأي شيء تجاه الغيبيات معناه الغفلة والإعراض القلبي وإهمال الغيبيات، ففي تفسير اللباب: (( {وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرحمن} أي يُعْرِض عن القرآن، وقيل: يُعرض عن الله، فلم يخفْ عقابه ولم يرجُ ثَوَابَه ) ) [6] .
ـ فالإنسان الذي لا يشعر إطلاقا بألم الخوف من مهابة النار أو بلذة الشوق إلى الجنة هو في حقيقة أمره لا يعرف شيء اسمه النار ولا شيء اسمه الجنة، فهي في مشاعره أمور مثل الأمور التي لا تنفع ولا تضر فيقتنع بها فقط نظريا وليس
(1) قال الشيخ الألباني: حسن (سنن ابن ماجة ج: 2، ص: 1418، برقم: 4244)
(2) التخريج: صحيح (مشكاة المصابيح ج: 2، برقم 2358)
(3) النازعات: 37 ـ 40
(4) الزمر: 45
(5) محمد: 9
(6) اللباب في علوم الكتاب ـ دار الكتب العلمية - بيروت (ج: 17، ص 262)