فهرس الكتاب

الصفحة 173 من 249

وليس لها تأثير حقيقي علي المشاعر، وغدا سوف يفاجئ بيوم القيامة كأنها مفاجأة لم يكن يعرفها كأنه لم يسمع عن شيء اسمه الآخرة لأنه لم يكن يشعر بخطورة الآخرة، لأن الذي يشعر بخطورة الآخرة يعيش وعنده تهيئة نفسية فلا يفاجئ بالآخرة وإنما هو منتظر مجيئها ومنتظر تحقيق وعد الله تعالى.

ـ عالم الغيب فوق مستوى الخيال وأشد رعبا من كابوس مرعب وأشد رعبا من رؤية أشباح وأعجب من السحر:

عالم الغيب عالم رهيب وعجيب وخطير جدا لكنه في المشاعر عالم عادي جدا لا خطورة منه ولا مشكلة فيه، إن عالم الغيب في مشاعر البعض مثل حواديت، فمثل هؤلاء يفاجئون بعد الموت بعالم حقيقي أخطر وأعجب وأغرب من هذه الأشياء، فيرون الملائكة ويفاجئون بالحساب والجنة والنار: (( وَنُفِخَ فِي الصُّور فَإِذَا هُم مِنَ الْأَجْدَاثِ إلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ(51) قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ )) [1] ، لذلك قد تستخدم عبارة"النار"لتخويف الأطفال، أما مثل هؤلاء الكبار فلا تستخدم عبارة"النار"لتخويفهم لأنهم ناضجين لا تتأثر مشاعرهم بهذه الأساطير؟!!، فهؤلاء مشاعرهم تقول: (( إِنْ هَذَا إلا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ ) ) [2] وإن كان عندهم اقتناع ويقين تام وجازم بكل الغيبيات ولكنه اقتناعا ويقينا نظريا فقط.

ـ ربما تسمع من أحد الناس عن وجود أشباح وعفاريت في مكان ما فعلت كذا وكذا، فهذه أسطورة وخرافات وخزعبلات، والذي يؤمن بهذه الأسطورة قد يكون خائفا ولا يستطيع النوم، إن الآخرة أشد رعبا من هذه الأسطورة وهي حقيقة وليست أسطورة ورغم ذلك قد يتعامل الإنسان معها بمشاعره كأنها أسطورة من الأساطير.

ـ عندما يرى الإنسان كابوس مرعب فإنه قد لا ينام عدة أيام فإنه كلما نام رأى الكابوس، ويكون في حياته قلقا متوترا خائفا منزعجا وصورة الكابوس لا تفارق عينه ولا يستطيع أن ينساها، فالآخرة أشد في خطورتها من أي كابوس لأن فيها أهوال أشد من أي كابوس، فضلا عن أنها حقيقة وليست كابوسا، فالذي يوقن بالآخرة يقينا حقيقيا لا تكاد تفارق صورة الآخرة ذهنه: (( كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ(5) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ )) [3] .

ـ والساحر يسحر لك أشياء تدعو للدهشة والعجب وقد تكون أشياء مخيفة أو مرعبة، أما عالم الغيب فهو أعجب من ذلك لأنه أشد غرابة من السحر فضلا عن أنه حقيقة وليس سحرا.

ـ لو أن إنسان مات منذ سنين وبلي جسمه ثم أخبروك أنه سوف يقوم حيا يسعى إليك وتراه وتتحدث معه، إنه أمر مرعب يجعلك ترتعد وتخاف، وسبب هذا الرعب أن ذلك الأمر خارق للأسباب، إن هذا الأمر سوف يحدث بالفعل لجميع الناس ولكن أنت ستكون واحدا من هؤلاء الذين يقومون بعد أن ماتوا وفنيت أجسامهم، إن هذا الأمر حقيقة فعلية وقادمة قريبا فلماذا لا تصاب بالخوف من مهابة هذا الأمر ولماذا لا تنشغل به؟، ذلك لأن قضية البعث ليس لها قيمة في مشاعرك فأنت غافل عنها كأنها لن تحدث على وجه الحقيقة.

ـ بل إنك كنت ميتا ثم أحياك الله، فكنت نطفة ميتة لا روح فيها في رحم أمك ثم نفخ الله فيك الروح فأصبحت حيا، وهذا ما تراه كل يوم لجميع الناس حيث يخلق الله الأطفال في الأرحام وينفخ فيها الروح، إن ذلك أشد عجبا وغرابة وليس سحرا ولكنه حقيقة وخرق للأسباب، فلماذا لا تشعر بالتحير والتعجب من مدى عظمة الخالق وقدرته فتشعر بالاستسلام والخضوع لقدرة الله: (( كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إليه تُرْجَعُونَ ) ) [4] ، وتشعر بضعفك وضآلتك حيث يفعل الله بك ما يشاء فيحييك ثم يميتك ثم يحييك: (( قُتِلَ الإنسان مَا أَكْفَرَهُ، مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ، مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ) ) [5] .

(1) يس: 51، 52

(2) المؤمنون: من الآية 83

(3) التكاثر: 5، 6

(4) البقرة: 28

(5) عبس: 17 ـ 19

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت