فهرس الكتاب

الصفحة 143 من 249

ـ فالقيادة لها صور مختلفة فقد يكون الإنسان رئيسا أو زعيما أو ملكا من ملوك الدنيا أو مديرا لشركة مثلا أو حتى مسئولا عن أسرته وأولاده، وفي الحقيقة فإن كل صور القيادة بين الناس هي مجازية فقط، وجميع صور القيادة على وجه الحقيقة هي لله، فالله وحده الذي يعطي هذا ويمنع هذا، وهو وحده الذي يتكفل بأمر كل شيء، وهو وحده الذي يأمر وينهى (وإنما طاعة الرسول وأولى الأمر تابعة لطاعة الله) ، وكما أن القيادة يكون لصاحبها شرف وعزة ومكانة، فلا أحد له شرف أو عزة أو مكانة أو كبرياء، فالعزة كلها والكبرياء كله لله، وجميع الناس أذلاء فقراء مقهورين ضعفاء.

ـ فإذا تصورنا أن الكرة الأرضية عبارة عن دولة واحدة لها ملك واحد، وهذا الملك له كل الصلاحيات وكل السلطات وجميع المناصب وهو الذي يدير كل شيء ويدبر كل شيء في مملكته، فهذا التصور يليق بالبشر فقط أما الله فليس ملكا على الأرض فحسب ولكن على الكون كله وبيده الأمر كله، وهو أيضا المالك الحقيقي لكل شيء في الأرض من مال أو مساكن أو متاجر أو شركات أو جبال!!.

ـ ومن هنا تفهم أيضا أن"لا إله إلا الله"تعني سلب كل صفة حميدة من الإنسان وإثبات كل الصفات الحميدة والكمال فيها لله، وما عند الإنسان من صفات حميدة إنما هو مما أعطاه الله له، فالإنسان لا قدرة له ولا علم له ولا إرادة له ولا شيء له إلا مما أعطاه الله إياه، وما أعطاه الله للإنسان لا يساوى قطرة من محيط مما عند الله، كما أنه لا يتحرك متحرك ولا يسكن ساكن إلا بأمر الله تعالى، فلا يستطيع أحد أو شيء أن يعتمد على نفسه في حركته أو سكونه فيحتاج إلى الله ليتحرك ويحتاج إلى الله ليسكن، والنفس الذي تتنفسه هو من عند الله والماء الذي تشربه هو من عند الله تعالى.

ـ ولذلك عندما يمرض الإنسان فإن الله وحده هو الذي يشفي فيكون توكل الإنسان على الله ولجوءه إلى الله ثم يأخذ بالسبب طاعة لله، وكذلك إذا احتاج أمرا من رئيسه مثلا فإنه يلجأ إلى الله ويدعوه أولا لأن رئيسه لا يملك نفعا ولا ضرا فلا يتوكل عليه أو يخاف منه، ومن هنا تفهم مدى أهمية الدعاء ففي الحديث: (( الدعاء هو العبادة ثم قرأ {وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين} ) ) [1] .

ـ فالذي يوقن يقينا حقيقيا بأن الله هو الملك لكل العالم ولكل شيء فإنه يشعر بالخضوع له والخضوع لأمره والتوكل عليه ويشعر بالخوف من مهابته والخوف من عقابه والرجاء في عطاءه والحب لما أعطاه وحب الانتساب إليه والعزة به.

ـ فمعنى أنك توقن أن لك ملكا له السيادة الكاملة عليك، فهذا معناه أن له وحده حق الأمر والنهي، وهذا معناه أنك تعيش خاضعا لأمره تبعا لما يريده هو، ولست تعيش تبعا لما تريده أنت وترغبه، وليس تبعا لما يريده أي أحد آخر ويرغبه، وحيث أنه يرعاك ويحميك ويعطيك وأوامره فيها النفع لك في الدنيا والآخرة وهو سبحانه لا يستفيد لنفسه شيء من هذه الأوامر فهو الغني عن الناس وكل شيء فأنت تحبه وتحب أوامره، فغياب الشعور بأن الله هو الملك المسيطر المهيمن تؤدي إلى عدم المبالاة بأوامر الدين وعدم أخذها بجدية والتفريط فيها.

ـ الفصل السادس: التعامل مع الدنيا على أنها دار سفر ودار اختبار وليست دار إقامة

ـ المؤمن يتعامل مع الدنيا على أنها مؤقتة عابرة وأنها دار سفر، أما الكافر والمنافق فيتعامل مع الدنيا على أنها داره ومقامه كأنه خالد فيها ومستقر فيها رغم اليقين النظري التام بأن الدنيا دار ممر وأن الآخرة هي دار إقامة.

(1) قال الشيخ الألباني: حسن صحيح (جامع الترمذي ج: 5، ص: 374، برقم 3247)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت