ـ الإنسان الذي يرى الشهوات ذات متعة كبيرة فينظر لها نظرة انبهار ومهابة وتعظيم وحب، في حين أنه لا يشعر بقيمة متع الجنة، فهو إنسان لا يعقل.
ـ الشيطان يزين للإنسان الشهوات أو المظاهر أو المال أو غير ذلك من أمور الدنيا على أنه شجرة الخلد وملك لا يبلى!!: (( فَوَسْوَسَ إليه الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى ) ) [1] ، فمثلا المال ليس له عظمة أو قدر كبير، ولكن الشيطان يزين للإنسان أن للمال قدر كبير وأهمية وخطورة هائلة، وأن المال هو الذي تستطيع به شراء كل شيء وشراء سعادتك وفيه كل النفع لك فبه تحيا ومن غيره تموت، فيصنع للمال عظمة وهمية، فيشعر الإنسان بعظمة المال ويتعلق قلبه بالمال.
ـ والدنيا مثل النار، والناس مثل الفراش، والنار تبدو مضيئة جميلة فيقترب منها الفراش حتى يقعوا فيها فيموتوا، والرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يشد الناس بعيدا عنها وينذرهم وهم يقعون فيها، ففي الحديث: (( مثلي كمثل رجل استوقد نارا فلما أضاءت ما حولها جعل الفراش وهذه الدواب التي يقعن في النار يقعن فيها وجعل يحجزهن ويغلبنه فيقتحمن فيها فذلك مثلي ومثلكم أنا آخذ بحجزكم عن النار هلم عن النار هلم عن النار فتغلبوني فتقتحمون فيها ) ) [2] .
ـ فالدنيا في ظاهرها حلوة لكنها في حقيقتها لا تساوى شيئا، ففي الحديث: (( لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء ) ) [3] ، وفي حديث آخر: (( ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم أصبعه في اليم فلينظر بم يرجع ) ) [4] .
ـ فالشهوات ضئيلة القيمة ولكنها مغلفة بغلاف خادع يجعلها تبدو أنها عظيمة القيمة جدا وبذلك تجذب الناس لها فيقعون فيها وحينئذ لا يجدوا غير متع ضئيلة القيمة.
ـ فالدنيا لا قيمة لها ولكنها مزينة بغطاء خادع فتبدو في منتهى الأهمية وذات قيمة عظيمة جدا، والغيبيات عكس ذلك، فهي أمور لا نراها وهي من أخطر ما يمكن، فالإنسان الذي ليس لديه شعور بقيمة وحقيقة الأشياء يكون مخدوعا جدا بالدنيا ولا يرى الآخرة ذات قيمة، فهذا الإنسان كالسكران أو الميت، وهذا الإنسان إذا تفكر بحضور قلب اكتشف المفاجئة المذهلة.
ـ فلو عرض عليك إنسان أن تشتري جدي بدرهم واحد فقط ولكن المشكلة أن هذا الجدي ميت فهل توافق؟، طبعا لا لأن هذا الجدي ميت فلا قيمة له ولا فائدة منه فلا تعبأ به لأنه لا قيمة له ولا تتفاعل مشاعرك وهمومك وأهدافك به، وهذا ما علمه الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأصحابه ففي الحديث عن جابر بن عبد الله: (( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر في السوق داخلا من بعض العالية والناس كنفيه فمر بجدي أسك ميت فتناوله فأخذ بأذنه ثم قال: أيكم يحب أن هذا له بدرهم؟، فقالوا ما نحب أنه لنا بشيء وما نصنع به، قال أتحبون أنه لكم؟، قالوا: لا، قال ذلك لهم ثلاثا فقالوا لا والله لو كان حيا لكان عيبا فيه أنه أسك ـ والأسك الذي ليس له أذنان ـ فكيف وهو ميت قال فوالله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم ) ) [5] .
ـ فالشهوة لها بريق خادع جدا يصعب على أي إنسان أن يقاومها إلا من أعمل عقله فنظر في حقيقتها ومآلها في الآخرة فانتصر في هذا الاختبار، فالانتصار على الشهوات هو الجهاد الحقيقي الذي هو أصعب من الجهاد في ميدان القتال.
(1) طه: 120
(2) تحقيق الألباني: صحيح (انظر حديث رقم: 5858 في صحيح الجامع)
(3) حديث صحيح (صحيح الترغيب والترهيب برقم 3240)
(4) قال الشيخ الألباني: صحيح (سنن ابن ماجة ج: 2، ص: 1376، برقم: 4108)
(5) قال الشيخ الألباني: صحيح (الأدب المفرد ج: 1، ص: 334، برقم: 962)