فهرس الكتاب

الصفحة 195 من 249

ـ أولا: مرحلة ما قبل الوصول إلى شهوات الدنيا (شهوة الإغراء والأماني ـ مرحلة التزيين) :

ـ هناك مرحلة قبل الشهوة وهي مرحلة هيجان الشهوة (الزينة الخادعة) ، وهي أخطر من الوقوع في الشهوات ذاتها، وإذا لم يستخدم الإنسان عقله عند هيجان الشهوة ليتذكر حقيقة ضآلتها فإنه سوف يقع في الشهوات، وإذا استخدم عقله فسوف ينطفئ هذا الهيجان.

ـ فالشهوات عبارة عن قصر هائل جدا، تنظر إليه فتراه فخما وهائلا، ولكن إذا دخلته تكتشف أنه من الخارج فقط فخما لكنه من الداخل عبارة عن مزبلة، فالشهوات عبارة عن مزبلة أحاطوها بأسوار عالية مثل أسوار القصر الهائل، والجاهل كلما نظر إلى القصر انخدع به، فالجائع الذي ينظر إلى ألوان الطعام مخدوع وصورة الطعام عنده كبيرة جدا لكن حقيقة الأمر أن الإنسان إذا أكل ما يسد جوفه ولو كان خبزا لأدرك حقيقة الطعام، والذي ينظر إلى العورات مخدوع بصورة الجماع فتبدو في نظره هائلة جدا في حين حقيقة اللذة في الجماع ضئيلة وواحدة تقريبا بين جميع النساء، وما لذة الجماع إلا مسألة خروج المني، والفقير الذي ينظر إلى أصحاب الأموال مخدوع بصورة المال التي تبدو في نظره هائلة، وما حقق المال سعادة لأحد، فالسعادة النفسية قلما تجدها عند الأغنياء، والإنسان الذي ليس معه مكانة اجتماعية أو شهادة علمية أو منصب أو جاه، ينظر إلى أصحاب المناصب والجاه والمكانة على أنهم هم السعداء وما هم بسعداء.

ـ والإنسان العاقل لكي لا تشغله الشهوات فإنه يسدها بالحلال وبغير إسراف، فشهوة الجوع تنطفئ إذا أكل لقيمات وشهوة الجماع تنطفئ إذا أتى أهله، فالشهوة مثل الكلب الذي يلاحق الإنسان فإذا ظل يقذفه بالطوب شغله ذلك، فإذا ألقى له لقيمات انصرف عنه الكلب.

ـ حال الإنسان أثناء هيجان الشهوة أو أثناء الجوع أو أثناء الفقر والحرمان يختلف عن حاله بعد الشهوة أو في غير وقت الشهوة ويختلف عن حاله وقت الشبع ويختلف عن حاله في وقت الغنى، فقيمة الشهوة أو الطعام أو المال عند غيابها تكون كبيرة جدا في نظر الإنسان ولا يعرف قيمتها الحقيقية الضئيلة إلا بعد تحققها، وفي الحالتين سواء عند وجود الدنيا أو عند غيابها يتناسى الإنسان حقيقة ضآلة الدنيا وأنها لعب ولهو، ويتناسى أن الأصل أنه فقير وضعيف ولا يملك شيئا وليس له حق في أن يمتلك شيئا من أمور الدنيا أو شهواتها ولو قطرة ماء ولو هواء يتنفسه، فالله وحده المالك وله كل شيء وما يصل للإنسان من نعم هو محض فضل وتكرم وإنعام بغير استحقاق للإنسان، ويخدع الإنسان نفسه فيحسب أن الأصل أنه يملك، فعندما يملك شيئا من الدنيا يحسب أنه ملكه ويغتر به وعندما لا يمتلك يحسب أنه مظلوم وانه قد أعتدي عليه.

ـ فيحدث تزيين حيث يكون هناك تصور وهمي لمدى عظمة هذه الشهوات، وإذا كان قد حقق هذه الشهوات من قبل فإنه يتناسى ذلك، لأن الإنسان يشعر بحقيقة ضآلة الشهوات بعد تحقيقها ثم يتناسى ذلك.

ـ وهذه المرحلة فيها متعة وهمية معنوية وليست حسية هي متعة الإغراء ومتعة الإيحاء وهي المتعة التي تسبق الوقوع في شهوات الدنيا، وهي متعة تجعل الشيء يبدو كأنه كبير في متعته، وهي تحدث في فترة ما قبل الشهوة حيث يكون الإنسان تحت تأثير هيجان الشهوة وليس عقله ثم يفيق لحقيقة هذه الشهوة في فترة ما بعد الشهوة.

ـ شهوات الدنيا كشهوة النساء أو شهوة الطعام والشراب أو شهوة المظاهر ... الخ لها إغراء وتزيين يوحي بأنها متعة هائلة ويوحي بأن الإنسان يمكن أن يستزيد منها بصورة هائلة في حين حقيقة المتعة الفعلية المتحصلة منها قليلة ولا يمكن تكبيرها أو الاستزادة منها، لذلك فالقضية في الأصل ليست في الوقوع في ذات الشهوة ولكن في الإغراء والتزيين بحيث تبدوا في النفس أنها ذات قدر كبير وهائل وأن الإنسان إذا حصل عليها فقد حصل على المتعة الهائلة، هذا التزيين هو تكبير حجم قيمة المتعة الحقيقية أضعاف هائلة، ويقوم بهذا التزيين الشيطان والأغاني والأفلام التي تعظم من حجم الشهوات وغير ذلك، وحيلة التزيين هي التي عملها إبليس مع آدم: (( فَوَسْوَسَ إليه الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى ) ) [1] رغم أنها شجرة عادية مثل باقي الأشجار، كما تلاحظ أن طاقة الإنسان على متعة الطعام أو الجماع محدودة ولكن الشيطان يزين له أنه يستطيع أن يحصل على أضعاف مضاعفة من

(1) طه: 120

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت