ـ كذلك علم الله هائل جدا، فهو يسمعك ويراك ويعلم بكل شيء في كل مكان بل إنه سبحانه يعلم ما سيكون في المستقبل فذلك يدعو إلى التحير والذهول والخوف والإعجاب بمدى هذه القدرة الهائلة، فالإنسان يعيش تحت المراقبة والسيطرة الكاملة.
ـ ففي أيسر التفاسير: (( {وهو معكم أينما كنتم} أي بعلمه بكم وقدرته عليكم أينما كنتم ) ) [1] ، وفي أيسر التفاسير أيضا: (( {ونحن أقرب إليه من حبل الوريد} أي نحن بقدرتنا على الأخذ منه والعطاء والعلم بما يسر ويظهر أقرب إليه من حبل الوريد الذي هو في حلقه ) ) [2] ، وفي تفسير مراح لبيد: (( {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} أي ونحن أقرب إلى الإنسان من العرق الذي يجري فيه الدم، ويصل إلى كل جزء من أجزاء البدن بعلمنا بحاله، وبنفوذ قدرتنا فيه يجري فيه أمرنا كما يجري الدم في عروقه ) ) [3] ، وفي تفسير القرطبي: (( {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ} أَيْ بِالْقُدْرَةِ وَالْعِلْمِ وَالرُّؤْيَةِ، قَالَ عَامِرُ بْنُ عَبْدِ الْقَيْسِ: مَا نَظَرتَ إلى شيء إِلَّا رَأَيْتُ اللَّهَ تَعَالَى أَقْرَبَ إِلَيَّ مِنْهُ ) ) [4] .
ـ تناسي الصلة بين الإنسان والخالق:
ـ لو أن إنسانا عنده من الغنى والثراء الكثير وعنده من أسباب القوة الكثير ويعيش في قصر فخم، وآخر فقير وضعيف ويعيش في كوخ، فالفقير يعلم بفقره وضعف نفسه ويعلم بقوة هذا الرجل الغني ومدى ما يمتلك من ألوان الثراء، لكن كل واحد يعيش في مسكنه بعيد عن الآخر وكل واحد في شأنه لا علاقة بالآخر، ولا يتدخل أحدهما في شأن الآخر، فهذا الفقير لن يشعر بالخضوع أو الخوف من الغني طالما أنه لا صلة بينهما، لكن إذا كان هذا الفقير لا بيت له وهو يعيش داخل قصر هذا الرجل الغني، وكان هذا الرجل الغني هو حاكم البلاد وهو الذي ينفق عليه ويرعاه، فهنا يشعر الفقير بالخضوع والخوف والحب لهذا الرجل الغني.
ـ فقد يتصور الإنسان أنه يعيش بعيد عن الله، وأنه يعيش في شأنه منعزل عن الله ولا تصله قدرة الله، وحيث أن الله لم يجعل الدنيا دارا للحساب للثواب والعقاب وجعلها دارا للعمل فالإنسان حر في أن يعصي أو يفعل ما يشاء، فيحسب الإنسان أن الله ليس له سلطان عليه وأنه تركه يفعل ما يشاء.
ـ فلابد أن يشعر الإنسان أنه يعيش في ملك الله وتحت سلطانه وفي أي مكان يسير فيه تكون معه قدرة الله ومراقبته وهذا أمر مرعب لمن يفقه، فعندئذ فقط يتحقق الشعور بالخضوع ويعيش الإنسان حياته خاضعا خائفا مترقبا لقاء الله والآخرة.
ـ المراقبة لها ثلاثة معاني هي:
1 ـ شعور الإنسان بأن الله هو السميع العليم البصير الرقيب الشهيد، وغياب المراقبة بهذا المعنى هو تغافل عن الله وغياب للإيمان، والمؤمن لابد أن يشعر دائما بأن الله سميع يسمعه وعليم يعلم ما يفعله ورقيب يراقبه.
2 ـ قوة هذا الشعور، والمراقبة بهذا المعنى من كمال الإيمان.
3 ـ الإحسان بمعنى العمل الناشئ عن مراقبة الله، والإحسان أعلى مراتب الإيمان.
ـ اليقين الحقيقي بأن الله هو السميع البصير العليم الرقيب:
(1) أيسر التفاسير للجزائري ـ مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة، السعودية (5/ 259)
(2) أيسر التفاسير للجزائري ـ مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة، السعودية (5/ 143)
(3) مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد ـ دار الكتب العلمية - بيروت (2/ 446)
(4) تفسير القرطبي ـ دار الكتب المصرية - القاهرة (17/ 231)