خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ )) [1] فقال (نسقيكم) أي هو سبحانه الذي قصد ذلك للإنسان وصنع ذلك له، فذلك يعني حب من صنع لك هذا الغذاء وقصَده لك والخضوع والمهابة من عظيم قدرته على فعل ذلك ومدى هذا العلم، إذن لابد من وجود قوة خارجية قاصدة مريدة هي التي أرادت ذلك، وهي التي سخرت هذه البقرة من أجل الإنسان، وهي التي تمد الإنسان بما يحتاجه.
6 ـ معرفة أن هذا الشيء هائل جدا فيدل على مدى مقدار هذه القدرة الهائلة:
ـ عندما تتفكر في مدى عظمة هذا الكون من نجوم حجمها هائل جدا فوق مستوى الخيال، ومدى بعدها الهائل جدا فوق مستوى الخيال، هنا تشعر بأن قدرة الخالق فوق مستوى الخيال، وهنا فقط تشعر بمعنى قدرة الله، فلابد أن يكون شعورك مبهرا متعجبا من مدى قدرة الله، وكذلك الوظائف المعقدة جدا والتي هي غاية في الدقة فيدل على علم هائل جدا، فهذه القدرة الهائلة وهذا العلم الهائل يجعل الإنسان يتحير من مدى شدته. وهذا يؤدي إلى الشعور بالخضوع للخالق والشعور بالخوف من هيبته.
ـ ملحوظة: لاحظ أن المعلومات السابقة ليس الغرض منها تحقيق المعرفة النظرية ولكن لكي يشعر الإنسان بأنها أعجب من السحر ويشعر بضعف قدرته عن أن تصنع مثل هذه الأشياء وبالتالي يشعر بضعفه واستسلامه وحبه للخالق.
ـ لابد أن نتصور الآيات الكونية من أربعة نواحي هي:
1 ـ لابد أن تشعر بالمقارنة بين البشر وبين الكون، أو بين البشر وبين الكرة الأرضية، أو بين البشر وبين الشمس مثلا، وهذه المقارنة من حيث الحجم ومن حيث القدرة، فمن حيث الحجم يتبين مدى ضآلة حجم الإنسان بالنسبة إلى حجم الكرة الأرضية أو الشمس أو الكون، ومن حيث القدرة فالشمس تستطيع أن تبتلع الكرة الأرضية بمن عليها من البشر ومثلها مليون مرة، والزلازل والبراكين والعواصف والفيضانات وغيرها تستطيع أن تنسف آلاف البشر في لحظة واحدة، والبشر يعيشون في خطر دائم ومن الممكن أن ينسفوا في لحظة، والبشر جميعا محمولون على كرة تطير بهم في الفضاء وكأن الكرة الأرضية تفعل بهم ما تشاء فهي أعظم في حركتها وسرعتها من قدرة البشر.
ـ فالإنسان ضعيف أمام عظمة الكون: (( لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أكبر مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ) ) [2] ، فالإنسان لا قيمة له أمام هذا الكون الهائل.
2 ـ ثم تشعر بالمقارنة بين عظمة الكون وعظمة الخالق، فإذا كان الكون عظيما إلى هذه الدرجة فما بالك بعظمة الخالق، فالكون ما هو إلا مخلوق لا حول له ولا قوة، ففي الحديث: (( يقبض الله الأرض يوم القيامة ويطوي السموات بيمينه ثم يقول أنا الملك أين ملوك الأرض ) ) [3] ، وفي حديث آخر: (( ما السماوات السبع في الكرسي إلا كحلقة بأرض فلاة ) ) [4] .
3 ـ ثم تشعر بالمقارنة بين ضآلة البشر وعظمة الله، فإذا كانت قيمة البشر ضئيلة أمام عظمة الكون، فما بالك بقيمة البشر أمام عظمة الله وقدرته وهيمنته عليه.
4 ـ فينشأ عن ذلك الشعور بالخضوع والخوف من مهابة الخالق والحب إعجابا بقوته والخوف من عقابه ورجاءه.
ـ إذن من لم يعرف عظمة الكون بالمقارنة مع قدرات الإنسان وإمكانياته لم يعرف عظمة الخالق وضعف الإنسان.
(1) النحل: من الآية 66
(2) غافر: 57
(3) تحقيق الألباني: صحيح (انظر حديث رقم: 8125 في صحيح الجامع)
(4) التخريج: صحيح (السلسلة الصحيحة ج: 1، ص: 223، برقم: 109)