فهرس الكتاب

الصفحة 123 من 249

أقرضك إياه لفترة ثم يسترد ما يملك فهذا حقه، بل إننا إذا عرَّفنا الإنسان على أنه قطعة من الطين وأن كل ما يزيد عن ذلك من روح وسمع وبصر وأموال هو نعم من الله علي الإنسان وملك لله تعالى لم نكن محقين لأن قطعة الطين هذه هي ذاتها ملك لله تعالى، لذلك لو عذب الله جميع خلقه لعذبهم وهو غير ظالم لهم لأنهم شيئا من ملكه ومالك الشيء له أن يفعل بما يملك ما يشاء.

ـ فإذا عرف الإنسان ذلك معرفة حقيقية حدث له شعور بالخضوع لأنه ضعيف والضعيف يخضع للقوى، وحدث له توكل تام على الله في كل شيء، وحدث له شعور بحب الله لما أعطاه من عظيم النعم، وحدث له خوف من مهابة مدى عظمة الله وقدرته عليه، وحدث له رجاء وطمع فيما عند الله ليعطيه.

ـ شعور الإنسان بأنه مخلوق معناه شعوره بأنه واقع تحت سيطرة وهيمنة أحد له القوة والقدرة الكاملة عليه، وأنه أسير وليس حرا فهو خاضع تحت أمر وتصرف سيده، والشعور بضعفه ونقصه واحتياجه للخالق ليحيا ويقضي حاجاته، فإذا لم يشعر الإنسان بذلك فهو غافل عن معنى أنه مخلوق وإن كان موقنا بذلك تماما لأن ذلك اليقين عندئذ هو يقين نظري فقط.

ـ أما من عرف ذلك معرفة نظرية فقط عاش في غرور بما عنده ظنا منه أنه يملك ما عنده، وحزن إذا سلبت منه نعمة ولم تتأثر مشاعره بالتوكل والخضوع والحب والخوف من الله تعالى.

ـ الفرق بين اليقين النظري واليقين الحقيقي بلقاء الله:

ـ إنك علي موعد مع الخالق نفسه تكلمه ليس بينك وبينه واسطة ولا مترجم ولا حجاب يحجبك عنه، ففي الحديث: (( ما منكم أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان ولا حجاب يحجبه فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم من عمله وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه فاتقوا النار ولو بشق تمرة ) ) [1] ، فيحاسبك ويكلمك ويسألك وتجيب عليه وتكلمه، فالذي يشعر بهذا اللقاء يشعر بخوف المهابة والخضوع لله بدليل الآية: (( وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وأنها لَكَبِيرَةٌ إلا عَلَى الْخَاشِعِينَ، الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنهم مُلاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إليه رَاجِعُونَ ) ) [2] فمعني (يظنون) أي يوقنون، واليقين هنا ليس مجرد الاقتناع النظري فقط وإنما هو شعور بلقاء الله، فمجرد الاقتناع النظري بلقاء الله لا يعطي الإنسان الشعور بالخشوع في الصلاة ولكن فقط الذي يشعر بلقاء الله يشعر بالهيبة والرهبة والخشوع والخضوع لله تعالى، فإنه لقاء مهيب ورهيب لو تصورته وشعرت به، فالآية تربط بين الخشوع في الصلاة والشعور بقدر لقاء الله فكلاهما وقوف بين يدي الله، فيقول ابن القيم: (( للعبد بين يدي الله موقفان: موقف بين يديه في الصلاة , وموقف بين يديه يوم لقائه، فمن قام بحق الموقف الأول هوّن عليه الموقف الآخر , ومن استهان بهذا الموقف ولم يوفّه حقّه , شدّد عليه ذلك الموقف، قال تعالى: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا(26) إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا} (الإنسان: 26، 27 ) )) [3] .

ـ كل الناس عباد لله خاضعين له رغم أنفهم، وهذه عبودية عامة، وهي من الربوبية، فمن عقل هذا النوع من العبودية وشعر به تحقق عنده الشعور بالخضوع وتحققت عنده العبودية الخاصة.

ـ فمجرد العلم بأن لنا خالقا فهذه ليست معلومة سهلة لأن معناها أننا عبيدا خاضعين تحت سيطرته وقهره، والذي يوقن أن له خالقا يقدر عليه ويسيطر عليه ويرزقه ويملكه، ثم لا يشعر بمدى قدرة الخالق عليه ويشعر بأنه خاضع وواقع تحت سيطرة وهيمنة الخالق عليه، ويشعر بأنه ضعيف لا يقدر على شيء ولا يملك شيئا ولا يملك من أمر نفسه شيء إذ أن القدرة كلها للخالق والملك كله للخالق، وأنه بغير الخالق لا يستطيع أن يعيش أو يتنفس لأن الخالق هو الذي يرزقه ويمده بما يحتاجه، فيشعر بالخضوع له وبالحب له، كل هذا يشعر به الإنسان لمجرد أن يوقن يقينا حقيقيا بأن له خالقا

(1) التخريج: متفق عليه (7533 مشكاة المصابيح ج: 3، برقم: 5550)

(2) البقرة: 45، 46

(3) الفوائد لابن القيم ـ دار الكتب العلمية - بيروت (1/ 200)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت