الشيء التافه نظرة انبهار ونظر إلى الشيء العظيم بلا مبالاة فهو لا عقل له لأنه لا يشعر بقيمة الأشياء، ونوضح ذلك كالتالي:
ـ قدرة الله وقوته وصفاته لها قيمة عظيمة، والآخرة لها قيمة عظيمة، والطاعات والمعاصي لها قيمة عظيمة، بينما المال والشهوات والمناصب والمظاهر والأعمال الدنيوية وقدرة الإنسان ليس لها قيمة بالمقارنة بقيمة قدرة الله وخطورة الآخرة، ولأن جميع هذه الأمور إلى زوال.
ـ فإذا كانت نظرة الإنسان إلى قيمة المال أو الشهوات أو المناصب أو الأعمال الدنيوية أو أمور الدنيا نظرة انبهار وإعجاب وأنها أمور خطيرة وغاية في الأهمية فأصبح يتمناها وتتعلق بها مشاعره وهمومه وأهدافه وعمله، في حين نظرته إلى قدرة الله وعلمه وقوته كأنه ينظر إلى أمر لا قيمة له، وكذلك نظرته إلى خطورة معنى أن له ربا وأنه عبد، ونظرته إلى خطورة الآخرة، ونظرته إلى الكون من حوله وما يدل عليه من قدرة الخالق، كأنها أمور نظرية وليست حقيقية، ورغم أنه يعلم أنها أمور خطيرة لكنه يتجاهل ذلك ولا ينظر إليها نظرة اهتمام مثلما يهتم الإنسان بالأمر الخطير، فالإنسان عندئذ لا عقل له لأنه لا يشعر بحقائق الأشياء من حوله.
ـ فإذا لم يشعر الإنسان بحقيقة قيمته هو نفسه من الضآلة وحقيقة قيمة المال والشهوات والمناصب والمظاهر والدنيا من الضآلة ولم يشعر بحقيقة قيمة قوة الله وقدرته وعظمته من العظمة وحقيقة خطورة الآخرة من العظمة فلن تتفاعل مشاعره وهمومه وأهدافه بالله والآخرة، فلن يشعر بالخوف من الله والخضوع له ورجاءه والخوف من الآخرة، في حين ستتعلق مشاعره وهمومه وأهدافه بالشهوات والمال والمظاهر وهموم الدنيا فيكون خوفه وخضوعه ورجاءه في الدنيا وتوكله عليها.
ـ فإذا شعر الإنسان بأنه ضعيف وبأن الدنيا ضئيلة وشعر بقدرة الله وخطورة الآخرة فعندئذ فقط يتحقق الخوف من الله والخضوع له ورجاءه، وعندئذ فقط يتحقق الإيمان الحقيقي.
ـ لابد أن يتناسب مقدار الشعور بالقيمة مع حجم الألم أو اللذة الشديدة جدا فوق كل التصورات، فإذا كان الشعور بقيمة الآلام أو الملذات في الآخرة أقل من أو يساوى الشعور بقيمة الآلام أو الملذات في الدنيا فهذا معناه عدم وجود اليقين الحقيقي بالآخرة، وكذلك إذا كان الشعور بقيمة قدرة الله وقوته وصفاته أقل من أو يساوى الشعور بقيمة قدرة البشر وقوتهم وصفاتهم فهذا معناه عدم وجود اليقين الحقيقي بالخالق وصفاته.
ـ وإذا وصل الإنسان إلى درجة الكمال في الإيمان فهذا معناه انه يشعر بان كل ما هو غير الله من بشر وكائنات وجمادات لا قيمة له مطلقا.
ـ ومهما شعر الإنسان بحقيقة الآخرة ومدى ما تعنيه من الأهمية والخطورة فلن يصل إلى قدرها، ومهما شعر الإنسان بقدر الله ومدى عظمته فلن يصل إلى الشعور بمدى قدره وعظمته: (( وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ) ) [1] .
ـ فلو أن إنسانا غمس في النار غمسة واحدة ثم عاد إلى الدنيا فكل آلام الدنيا ومشاكلها في نظره لهو ولعب ولا قيمة لها، ولو أن إنسانا غمس في الجنة غمسة واحدة ثم عاد إلى الدنيا فكل متع الدنيا ولذاتها في نظره لهو ولعب ولا قيمة لها، ولو إن إنسانا عاش ألاف السنين في الآخرة ثم عاد إلى الدنيا فسوف ينظر إلى السنوات الطويلة التي يقضيها في الدنيا على أنها ثواني معدودة لا قيمة لها وأنه باقي على قيام الآخرة ثواني معدودة: (( قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ(112) قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أو بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ (113) قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إلا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ )) [2] ، وفي الحديث: (( يُؤْتَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنْيَا مِنَ الْكُفَّارِ فَيُقَالُ اغْمِسُوهُ في النَّارِ غَمْسَةً، فَيُغْمَسُ فِيهَا ثُمَّ يُقَالُ لَهُ أي
(1) الزمر: 67
(2) المؤمنون: 112 - 114