ـ إن نار الآخرة أمر أبعد من كل تصوراتنا وخطر من أشد ما يمكن، وإذا وضعت مقارنة بين نار الآخرة وكل مخاوف الدنيا وآلامها فانها لا تساوي شيئا، وفي الحديث: (( يُؤْتَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنْيَا مِنَ الْكُفَّارِ فَيُقَالُ اغْمِسُوهُ في النَّارِ غَمْسَةً، فَيُغْمَسُ فِيهَا ثُمَّ يُقَالُ لَهُ أي فُلأن هَلْ أَصَابَكَ نَعِيمٌ قَطُّ، فَيَقُولُ لاَ مَا أَصَابَنِى نَعِيمٌ قَطُّ، وَيُؤْتَى بِأَشَدِّ الْمُؤْمِنِينَ ضُرًّا وَبَلاَءًا، فَيُقَالُ اغْمِسُوهُ غَمْسَةً في الْجَنَّةِ، فَيُغْمَسُ فِيهَا غَمْسَةً فَيُقَالُ لَهُ أي فُلأن هَلْ أَصَابَكَ ضُرٌّ قَطُّ أو بَلاَءٌ فَيَقُولُ مَا أَصَابَنِى قَطُّ ضُرٌّ وَلاَ بَلاَءٌ ) ) [1] ، إلا أنك إذا قارنت بين الحالة النفسية للخوف من أي أمر دنيوي وبين الحالة النفسية للخوف من الآخرة والنار تجد حالة خوف حقيقية هائلة في النفس من الأمر الدنيوي في حين لا تجد أي شعور نفسي حقيقي عند مَنْ يدعي الخوف من النار، وإذا افترضنا أنه وُجد فلا يساوي واحد علي ألف من أقل شيء مخيف في الدنيا.
ـ فلا ألم في ألم بعده الجنة ولا راحة في راحة بعدها النار، لذلك فالعاقل يستوي عنده ألم الدنيا مع نعيمها: (( لِكَيْلا تَاسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ) ) [2] ، فقارن بين مخاوف الدنيا الفانية وبين الشقاء إلى الأبد فتعيش في عذاب بلا حدود وإلى الأبد، فإن كل آلام الدنيا وهمومها وأحزانها ومشاكلها ليست بشيء أمام آلام النار.
ـ ومن لم يشعر بالفارق بين آلام الدنيا وألم النار باع إيمانه مخافة آلام الدنيا وسقط في اختبار الابتلاءات: (( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ ) ) [3] ، أما من شعر بهذا الفارق لم تهمه آلام الدنيا، وفي الحديث: (( لو أن رجلا يجر على وجهه من يوم ولد إلى يوم يموت هرما في مرضاة الله تعالى لحقره يوم القيامة ) ) [4] .
ـ إن كل آلام الدنيا ومشاكلها وهمومها ليست بشيء أمام ألم النار يوم القيامة، فمن كان يشعر بألم الكراهية والضيق لآلام الدنيا ومشاكلها وهمومها وخطورتها ولا يشعر بألم الكراهية والضيق والاشمئزاز لآلام النار في الآخرة (خوف المهابة من شدة النار وخوف الوقوع فيها) فذلك لأن النار في مشاعره خيال وأساطير الأولين!.
ـ المشاعر الناشئة من الشعور بوجود النار:
ـ خوف المهابة لمدى عظم حجم النار وعظم آلامها، والشعور بالكراهية الشديدة للنار والاشمئزاز والضيق والألم والنفور عند تذكرها، والشعور بخوف العقاب من دخول النار، والشعور بالأمل والرجاء في النجاة منها، فمن لم يشعر بهذه المشاعر فهو لا يوقن يقينا حقيقيا بوجود النار.
ـ فأنت إذا ذهبت إلى قسم الحرائق بأحد المستشفيات ونظرت كيف تفعل النار في الجسم، بماذا تشعر؟، إنك تشعر بالتألم من فظاعة ومن مهابة الأمر، رغم أن الأمر لم يحدث لك أنت وليس فيه ضرر عليك، وكذلك إذا سمعت عن حادثة مروعة فيحدث تألم وخوف من رهبة الأمر وفظاعته، فإذا لم يحدث هذا التأثر فهذا معناه أنك لا تعي ولا تدرك حقيقة ما رأيت أو سمعت كأنك لم تسمعه ولم تعلمه.
الفصل الثامن
تناسي حقيقة اليقين بالملائكة والقرآن والرسل
(1) قال الشيخ الألباني: صحيح (سنن ابن ماجه ج:2، ص: 1445، برقم: 4321)
(2) الحديد: 23
(3) العنكبوت: من الآية 10
(4) تحقيق الألباني: حسن (انظر حديث رقم: 5249 في صحيح الجامع)