ـ فالإنسان عبارة عن مادة مصنوعة تتحرك وفق أمر الصانع ومصنوعة بالكيفية التي صنعها بها، فلابد أن تشعر أنك مادة مصنوعة في يد غيرك يفعل بك ما يشاء.
ـ والشعور بالخضوع يعني اليقين الحقيقي بضعف قدرته وعجزه أمام قدرة الله وشعور بالانكسار والتسليم وأن الإنسان واقع تحت تصرف من له القدرة عليه وخائف منه.
ـ هل يستطيع الإنسان أن يعيش لغيره أي لا يعيش من أجل نفسه هو ولكن من أجل أحدا غيره، إن الخضوع معناه أن تعيش لغيرك، وتعيش تحت سلطة وسيطرة غيرك عليك وتقبل ذلك مستسلما ذليلا خاضعا، إن المسلم يعيش لله بل ويموت أيضا لله (( قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَأي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) ) [1] .
ـ أنظر إلى خادم يعمل في بيت من بيوت السادة، إن الحالة النفسية التي يشعر بها هذا الخادم هي التي تسمي خضوع، فإذا كنت تدعي الخضوع لله فهل عندك هذه الحالة النفسية؟!.
ـ أنظر إلى الرجل الفقير المعدوم الذي يسأل الناس ليعطوه، بماذا يشعر؟، إنه يشعر بالخضوع والذل والحاجة إلى إنعام الناس عليه، إن الحالة النفسية التي عند هذا الرجل هي التي تسمي خضوع، فإذا كنت تدعي الخضوع لله فهل عندك هذه الحالة النفسية؟!، كما أنك تجد هذا الرجل يظل يدعوا لمَنْ يعطيه محبة له، وإذا كان هذا الرجل فقير إلى إنعام الناس من أموال، ومحب لما يعطونه، فكيف بك وقد أنفق عليك الله فأعطاك عينا وأعطاك الهواء الذي تتنفسه ونعما لا تحصي (والمشكلة أننا لا نشعر بنعم الله) .
ـ مثال آخر: تصور أنه تم بيعك في سوق العبيد مثلما كان يحدث في الماضي فأصبحت عبدا وخادما لسيدك، هل تقبل هذه الحال الآن وأنت في عصر الحرية؟!، هل تقبل أن تضع نفسك تحت تصرف غيرك؟!، وهل تقبل أن يتحكم فيك غيرك؟! وهل تتحمل هذه الحالة النفسية من الخضوع وطوال عمرك؟، إنك مطالب بما هو أصعب من ذلك أن تكون عبدا لسيدك ومولاك رب العالمين، فلماذا لا تشعر أنك واقع تحت سيطرة مَنْ يتحكم فيك وأنت عليك أن تقبل الخضوع والذل؟، فأنت تخضع له خضوع مَنْ شعر بأنه القهار المهيمن، وخضوع المحتاج إلى نعماءه، وتحب الذل إليه ليعطيك، كما يفعل الشحاذ حين يسأل الناس فإنه يخفض رأسه ويمد يده للناس ليعطوه، فهل تخفض رأسك وتمد يدك لله ليعطيك؟، إذن أين هذه الحالة النفسية المميزة للخضوع؟.
ـ تصور أن أحدا ما رفع في وجهك سلاحا وطلب منك أن تستسلم، ماذا يكون شعورك عندئذ؟ هذا الشعور هو شعور بالهزيمة والاستسلام والانقياد، إن الحالة النفسية التي تشعر بها عندئذ هي التي تسمي خضوع واستسلام، فإذا كنت تدعي الخضوع لله، فهل عندك هذه الحالة النفسية؟ والله هو الجبار المنتقم ذو البطش المتكبر شديد العقاب سريع الحساب.
ـ تصور أن هناك أحدا ما أو شيئا ما ذو قوة قاهرة يمكن أن يقضي عليك ويزهق روحك فبماذا تشعر عندما تتعامل معه أو يأمرك بشيء؟، إن الله هو القهار الجبار الذي سوف يزهق روحك ولن تفلت منه (فهو المميت) وهو يراك الآن ولن تستطيع أن تفلت منه أو تهرب عن نظره، فلماذا لا تجد مثل هذا الشعور؟، بل إن الله هو الذي يميتك كل يوم ويحييك فأين قدرتك وقوتك وإرادتك وأنت نائم؟!، فلماذا لا تشعر بالاستسلام لمَنْ يقهرك ويقدر عليك كل يوم وكل لحظة؟، ولماذا لا تشعر أنك مقبل علي حياة أبدية؟، فالذي يحييك كل يوم سوف يحييك يوم الدين والذي يميتك كل يوم سوف يميتك ويسلب منك كل شيء، فلماذا لا تستسلم وتخضع وترضخ لله؟: (( اللَّهُ يَتَوَفَّى الآنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إلى أَجَلٍ مُسَمّىً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَأياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) ) [2] ، فالروح تخرج من الإنسان فإن عادت في الدنيا فذلك النوم وإن عادت في الآخرة فذلك الموت.
ـ ومن الخضوع أنك تشعر بأنك لست تخضع لأمر نفسك وما يمليه عليك عقلك وإرادتك وإنما وفقا لما يريده منك سيدك الذي أنت خادما عنده بل الذي أنت عبدا عنده.
ـ إذا لم تشعر بالخضوع فهذا معناه أن شعورك بأن لك ربا وإلها عظيما وشعورك بأنه المالك والعزيز والقهار والمهيمن كل هذا لا يكون متحققا في المشاعر وإن كان متحققا في الاقتناع النظري، لأن تحقيق ذلك في المشاعر يعني الشعور بالخضوع.
ـ الرضا بالقضاء والقدر معناه أن يسلم أمره لله ويقول لله: افعل بي ما تشاء، فهو راضي بأي شيء سواء كان عطاءا أو منعا.
ـ الإنسان الذي في يده قطعة من الطين الصلصال له أن يفعل بها ما يشاء ويشكلها كيفما يشاء لأنه قوي يقدر على أن يشكلها كيفما شاء وهو مالكها وهي لا حول لها ولا قوة، فالقوي بحق له أن يفعل ما يشاء بما صنعه وامتلكه، والعبد الضعيف ليس له أن يفعل إلا ما يأمره به سيده، فهذه هي العلاقة بين القوي والضعيف.
ـ الإنسان لا يملك شيئا ولا يستحق شيئا، وبالتالي إذا لم يجد غير لقمة صغيرة لا تسد جوفه فإنه يكون سعيدا مسرورا بها لأن الأصل أنه لا يمتلك شيء، فما عنده من عين وأنف وما عنده من مال وزوجة وأولاد وكل شيء هو ملك لله وهو عطاء من الله للإنسان، وبالتالي يشعر الإنسان بالسعادة والراحة ولو كان في أشد الأزمات والمحن لأنه أصلا لم يكن مالكا لأي شيء افتقده، فالرضا بالقضاء والقدر هو شعور نفسي بالراحة والطمأنينة.
ـ كما أن الذي يشعر بأنه مفارق للناس ومفارق لما كان يعمله في الدنيا ومفارق للأموال والدنيا وما فيها ومن فيها فإنه يعيش سعيدا مسرورا لأنه لا يبالي بشيء، فإذا افتقد شيئا من أمور الدنيا فلا يبالي لأنه سوف يترك ذلك الشيء وكل شيء حتما حينما يموت.
ـ كما أن الذي يشعر بضآلة متع الدنيا وضآلة آلامها فإنه لا يبالي هل أقبلت الدنيا أم أدبرت.
ـ والله سبحانه لا يسأل عما يفعل: (( لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ ) ) [3] ، ففي تفسير البحر المديد: (( {عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ(30) وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إلا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إلا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} ؟ أي: أيُّ شيءٍ أراد بهذا العدد المستغرَب استغراب المثل؟ .. أو: أيُّ حكمة في جعل الملائكة تسعة عشر، لا أكثر أو أقل؟ )) [4] ، إذن فلابد من الشعور بالتسليم والرضا بما أراد الله وقدر لكل شيء ولكل واحد من رزق وأجل، وفي الحديث: (( إن الله تبارك وتعالى يبتلي عبده بما أعطاه فمن رضي بما قسم الله عز وجل له بارك الله له فيه ووسعه ومن لم يرض لم يبارك له فيه ) ) [5] ، فكل الأمور وكل شيء يخضع لهيمنة الله وسيطرته خضوعا كاملا وسيطرة كاملة، فأنت وكل شيء خاضع لهيمنة الله وسيطرته الكاملة، وعلى الناس تنفيذ مراد الله منهم، والله لا يُسأل لماذا؟ ولا يحاسبه أحد، لماذا هذا ولماذا هذا؟.
ـ الفرق بين الاقتناع النظري بالقضاء والقدر وبين الشعور والرضا به:
ـ إن مفهوم القضاء والقدر يعني أن كل شيء مكتوب في اللوح المحفوظ، وأن العبد له مشيئة مقيدة، فمشيئة العبد وإرادته واختياره هي جزء من قدَرِ الله الذي كتبه، وأعمالنا مخلوقة وكل ما نصنعه وما نبنيه هو مخلوق لله (( وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ) ) [6] ، وهذا يعني الشعور بالاستسلام والانقياد والخضوع لله والشعور بالرضا والصبر والشعور بقدر عظمة الله في هيمنته وتحكمه في كل شيء، فكل شيء سواء كان أو سيكون فهو وفق مشيئته، فالله بيده الأمر كله، وكل الناس علي اقتناع نظري تام بالقضاء والقدر، أما في لغة المشاعر فلا تجد الشعور بالاستسلام والانقياد
(1) الأنعام: 162
(2) الزمر: 42
(3) الأنبياء: 23
(4) البحر المديد ـ الناشر: الدكتور حسن عباس زكي - القاهرة (8/ 272)
(5) التخريج: صحيح (السلسلة الصحيحة: ج: 4، ص: 215، برقم: 1658)
(6) الصافات: 96