نملة على الأرض وكل ذلك في آن واحد، والله هو القادر ولكن قدرته هائلة جدا فوق كل التصورات والله يستطيع أن يلغي الزمان والمكان ويلغي قوانين الأسباب ويفعل كل ما يريد في أقل من لحظة، وهكذا.
ـ فالصفات لها درجات، فالقوة لها درجات والعلم له درجات وهكذا، وصفات الله تصل إلى درجة الكمال، فقوة الله هائلة جدا لا توصف وكذلك علمه وكل صفاته، فصفات الله سبحانه ليست مجرد صفات موجودة ولكنها تصل إلى حد الكمال من العظمة بحيث تجعلك تتحير وتندهش وتتعجب وتعجب وتنبهر وتذهل من مدى عظمة الخالق وقدرته سبحانه، وهذا هو معنى كلمة (إله) في اللغة، ففي تاج العروس: (( ألِهَ يَالَهُ إذا تَحَيَّرَ، يُريدُ إذا وَقَعَ العَبْدُ في عَظَمَةِ اللَّهِ وجَلالِهِ وغيرِ ذلِكَ مِن صفَاتِ الرُّبُوبيَّةِ وصَرَفَ توهّمُه إليها، أَبْغَضَ الناسَ حتى ما يميلَ قلْبُه إلى أَحَدٍ ) ) [1] .
ـ وهذا يجعل مشاعرك تتعلق به حبا وخضوعا وخوفا ورجاءا لدرجة أنك لا تستطيع أن تقطع مشاعرك وهمومك وأهدافك عنه، لأنك لو قطعت مشاعرك وهمومك وأهدافك عنه تهلك، فهذا هو الوله (مأخوذ من كلمة"إله") مثل قولك (العاشق الولهان) أي الذي لا يستطيع أن يقطع حبه ومشاعره وأهدافه عن محبوبه فلا يستطيع أن يعيش إذا ابتعد عن محبوبه.
ـ"الوله"يدل على الحب والفرح بالمحبوب لدرجة أنه إذا ابتعد عنك تتحير ويذهب عقلك وتحزن حزنا شديدا، وهذا التحير والحزن هو الوله: (( الوَلَهُ: ذهابُ العَقل والفُؤاد من فُقْدانِ حبيب، يقال: وَلِهَت تَوْلَهُ وَتَلِهُ، وهي والهةٌ ووَالِه. وكل أنثى فارقت وَلَدَهَا فهي والِهٌ ) ) [2] ، (((وله) الوَلَهُ الحزن وقيل هو ذهاب العقل والتحير من شدّة الوجد أو الحزن أو الخوف والوَلَهُ ذهاب العقل لفِقْدانِ الحبيب )) [3] .
ـ لا يكفي أن يشعر الإنسان باتساع الأرض واتساع الكون وحجم الأرض وحجم الكواكب والنجوم، وإنما لابد أن يشعر بعظمة هذه المسافات والأحجام التي تجعل الإنسان العاقل يجن ويخر ساجدا، فإن أرقام المسافات والأحجام لا نهائية ومبهرة جدا ولا يمكن تصورها أو تخيلها: (( لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ) ) [4] .
ـ في هذا الفصل نبين التصور الذهني لصفات الخالق ما عدا صفات الذات للخالق: (( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) ) [5] ، فنحن لا نستطيع أن نتصور صفات الذات لكن نستطيع أن نتصور الصفات المعنوية، فنتصور مدى قدرة الله على السمع فسبحانه له القدرة على أن يسمع كل الكائنات وكل المخلوقات في آن واحد، وكذلك نتصور مدى قدرة الله على رؤية كل شيء حتى الذي في الظلمات والذي في الجحور والذي في السماء والذي في الأرض ويرى كل ما تعمله المخلوقات في آن واحد، ونتصور مدى قدرة الله على العلم بكل شيء حتى الذي سوف يحدث في المستقبل هو يعلمه ومدى علمه سبحانه وحكمته في تدبير أمور جميع المخلوقات وما يحدث داخل الذرات وفي المجرات بدقة متناهية كاملة بالغة سبحانه، ونستطيع أن نتصور مدى قوة الله إذا قورنت بقوة المخلوقات فهو يستطيع أن يبيد البشرية والكون
(1) تاج العروس من جواهر القاموس ـ دار الهداية (36/ 322)
(2) العين ـ دار الهداية (ج: 36، ص: 550)
(3) لسان العرب ـ دار صادر - بيروت (ج: 13، ص: 561)
(4) غافر: 57
(5) الشورى: 11