فهرس الكتاب

الصفحة 132 من 249

ـ الله هو المالك سواء في الدنيا أو في الآخرة فهو المالك دائما وأبدا (( مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ) ) [1] ، (( فَلِلَّهِ الآخرة وَالْأُولَى ) ) [2] ففي الآخرة أيضا لا أحد يملك شيئا فالجنة والنار ملك لله تعالى، وما يعطيه الله لأهل الجنة هو عطاء من عنده وليس ملكا لهم وليس يأخذونه كحق لهم ليملكوه نظير عملهم، والله يفعل بملكه ما يشاء، فانظر إلى الآيات: (( أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ ) ) [3] فالجنة رزق ومحض إنعام وتكرم، وفي الحديث: (( لن يدخل أحدا عمله الجنة ولا أنا إلا أن يتغمدني الله بفضل رحمته ) ) [4] ، ولن يأتي أحد في الجنة ويقول هذا القصر إنما أوتيته علي علم وهو ملك لي، فإنما هو نعمة من الله وملك لله، وبالتالي فأصحاب الجنة يظل عندهم الخضوع والحب والذل لله مثل الملائكة وكل شيء، أما أهل النار فلم يكن عندهم الحب والخضوع لله تعالي فهذا جزاؤهم.

ـ من أهم المشاعر الناشئة عن اليقين الحقيقي بأن الله هو المالك هو عدم الخوف من أي ابتلاء ولو فقد كل شيء دفعة واحدة لأن الإنسان إذا فقد شيئا لا يخصه ولا يملكه لم يبكي عليه، فما عنده من أمانة يأخذها صاحبها وليست تضيع منك، لأنها تكون تحت تصرف صاحبها سواء بقيت معك أو أخذها منك.

ـ الخالق لابد أن تكون له صفات الكمال في القدرة والقوة والعلم، والمخلوق له صفات الضعف والعجز، فصفات النقص تعني أن الإنسان خاضع ذليل، وصفات القوة للخالق تعني أنه هو العزيز الذي يذل له الناس والمتكبر الذي يخضع له الناس.

ـ العلاقة بين الذليل والعزيز، أو العلاقة بين الضعيف والقوي، أو العلاقة بين العاجز والقادر، أو العلاقة بين العبد والسيد، أو العلاقة بين الخاضع والمتكبر، أو العلاقة بين الفقير والغني، أو العلاقة بين المملوك والمالك، أو العلاقة بين الذي لا ينفع ولا يضر والنافع الضار هي علاقة خوف وخضوع وتعظيم وحب إعجابا بقوته ورجاءا واستعانة به وتوكلا عليه وطاعته، فإذا شعر الإنسان بقوة الله وضعف نفسه شعر بالخوف والخضوع والتعظيم والحب والرجاء وتوكل على الله وأطاعه، وإذا لم يشعر الإنسان بقوة ما هو قوي وضعف ما هو ضعيف ففي عقله خلل، هذا الخلل هو عدم مقدرته على الشعور بقيمة الأشياء، وإذا فقد الإنسان الشعور بقيمة الأشياء رأى القوة والعظمة في المال أو الجاه أو الشهوات ولم يشعر بقوة الله وعظمته فكان خوفه وخضوعه وتعظيمه وحبه ورجاءه في الدنيا وتوكله عليها وعمله من أجلها فهذا هو عبادة الهوى.

ـ فاليقين الحقيقي بالله يتحقق عندما يشعر الإنسان بقوة الله وقدرته وعظمته وضعف نفسه، وينشأ عن ذلك الحب والخضوع والخوف والرجاء والطاعة، واليقين الحقيقي بالآخرة يتحقق عندما يشعر الإنسان بخطورة الآخرة وضآلة الدنيا، وينشأ عن ذلك خوف المهابة من أهوالها وخوف العقاب والشعور بالغربة والطاعة.

ـ ولاحظ أن البشر ليس فيهم ضعيف وقوي، فجميعهم ضعفاء والله وحده هو القوي: (( الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا ) ) [5] ، وما عند الناس من صور القوة ما هي إلا عطاء من الله إليهم وليست ملكا لهم، فالقوي بحق هو الذي يمتلك صفات القوة والقدرة، فليس لأحد أن يتكبر على أحد أو يستعبده أو يستذله، والله وحده هو المتكبر المعظم الذي يأمر الناس بأن يذلوا له ويركعوا له ويخضعوا له ويسجدوا له ويعيشوا عبيدا أذلاء لسيدهم رب العالمين، وهذا شرف لهم وعزة لهم.

ـ عكس التكبر الخضوع وعكس العزة الذل وعكس القوة الضعف، فالذي يكون متكبرا عزيزا قويا بحق يكون إلها، والذي يكون خاضعا ذليلا ضعيفا يكون عبدا.

ـ فالله هو القهار المسيطر، والعبد يكون مقهورا واقعا تحت سيطرته، والله يكون قادرا والعبد لا يقدر على شيء، فالذي يستطيع أن يسيطر على غيره ويقدر عليه، ويستطيع أن يعطيه أو يمنعه ويحرمه فهو قوي مسيطر والآخر ضعيف خاضع، فالله هو الملك على كل الناس وكل شيء، والمسيطر على كل الناس وكل شيء، ويستطيع أن يهلك الناس أو يعطيهم أو يمنعهم، وهذا يستلزم قدرة وعلم على عمل ذلك الأمر.

ـ فالكبرياء والعزة من أخص خصائص الإله، فالإله هو الذي يكون فيه هاتين الصفتين، والعبد هو الذي تكون فيه صفة الخضوع والذل، ففي الحديث القدسي عن رب العزة سبحانه: (( قال الله عز وجل: الكبرياء ردائي والعزة إزاري فمن نازعني واحدا منهما ألقيته في النار ) ) [6] .

ـ إذن فالإله هو الذي تخضع له لأنه يقدر عليك فأنت ضعيف وهو قوي: (( وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا ) ) [7] .

ـ الإنسان إما أن يعترف بضعفه أو يدعي القوة، ويكون ذلك كالتالي:

1 ـ إما أن يدعى القوة فهو يدعي أنه يملك أسباب القوة من مال وجاه وسلطان وشهوات، بحيث يكون هذا الأمر في شعوره فهو بذلك يدعي بمشاعره وليس بلسانه أنه ليس عبدا وإن كان على يقين تام بأنه عبد لله.

2 ـ أو يعترف بضعفه ويعترف بأن الله هو صاحب القوة، فهو يستمد العزة من انتسابه إلى الله، وهذا هو الذي يعبد الله تعالى.

ـ مفهوم العزة والقوة:

ـ العلم والمال وكل ما عند الإنسان من مميزات وشهوات وقدرات كالعقل والإرادة هو مصدر عزة وقوة له، فمن يشعر بأنه يمتلك هذه الأمور فإنه يشعر بأنه قوي وليس بضعيف وبالتالي لا يخضع لأحد، أما الذي يشعر بأنه لا يملك شيئا وإنما كل هذه الأمور هي عطاء من الله ملكا لله وليست ملكا للإنسان فيشعر بأنه ضعيف وفقير وأنه مدين لإحسان من أحسن إليه، فيشعر بأنه ضعيف وبالتالي فإنه يخضع لله القوي العزيز.

ـ الفرق بين اليقين النظري واليقين الحقيقي بأن الله هو العزيز:

ـ الإنسان يستمد القوة والعزة من القوي والعزيز، فلجوء الضعيف واستعانته بقوة القوي هو قوة له ولكنها ليست قوة نابعة من ذاته، فهو ذليل في ذاته لا قوة له، وعنده عزة بما يستمده ويستعين به من قوة القوي العزيز، لذلك فالعزة لله ولرسوله وللمؤمنين، فمن يعلم بوجود العزيز فإنه يستمد منه العزة.

ـ كل الناس يعلمون أن الله هو العزيز والقوي وأن غير الله ذليل وضعيف: (( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ ) ) [8] ، لكن بعض الناس لا يعقلون ما يعلمونه فكأنهم لا يعلمون أن الله هو العزيز والقوي: (( وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ ) ) [9] ، أي لا يعلمون أن العزة لله ولمن يستمد منه العزة.

ـ فعلمهم بأن الله هو العزيز هو علما نظريا فقط وليس علما حقيقيا لأنهم لم يستمدوا العزة منه وإنما استمدوها من الأصنام، لذلك فالكفار يتخذون أصناما لتكون لهم عزا، ويبتغون العزة في أصنامهم: (( وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا ) ) [10] ، (( الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا ) ) [11] .

(1) الفاتحة: 4

(2) النجم: 25

(3) الصافات: 41

(4) تحقيق الألباني: صحيح (انظر حديث رقم: 5222 في صحيح الجامع)

(5) البقرة: من الآية 165

(6) حديث صحيح (السلسلة الصحيحة ج: 2، ص: 79، برقم: 541)

(7) البقرة: من الآية 165

(8) الزخرف: 9

(9) المنافقون: 8

(10) مريم: 81

(11) النساء: 139

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت