ـ فقد يرى الإنسان أن لنفسه شأن كما أن لله شأن، فيتعامل مع الله كما يتعامل مع الإنسان المكافئ له وهذا دليل على الاستكبار في نفسه.
ـ وقد يظن الإنسان أن معاصيه أمور بسيطة وأنه لا يستحق هذا العقاب الدنيوي من الله بابتلائه.
ـ وقد يتعامل الإنسان مع الله على أن كل واحد له شأنه ولا يتعدى أحد على الآخر، فإذا ابتلاه الله بشيء فهو يرى أن ذلك ظلما من الله له.
ـ لكن الذي يشعر بأن الله هو المالك، وأن مالك الشيء له الحق أن يفعل بما يملك ما يشاء، فإنه يرضى بكل ما يفعله الله لأن هذا حقه وشأنه، ويعلم أن كل ما يفعله الله هو بعلم وحكمة يعلمها سبحانه وليس تخبطا تعالى عن ذلك علوا كبيرا سبحانه، ويرضى بما قسمه الله له وبما يفعله الله في عباده.
ـ وكل من شعر بمدى عظمة الله وضآلة نفسه تعلم الأدب مع الله وعلم أن لله أن يفعل ما يشاء وشعر بخوف المهابة من عظمته، فعدم الرضا ينشأ من عدم خوف المهابة والتعظيم لله، ومن خاف عظمة الله رضي بالله فرضي الله عنه: (( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ ) ) [1] .
ـ ومن أصعب الاختبارات على الثقة في الله هي فتنة المسيخ الدجال فإنه إذا أمر السماء أن تمطر فتمطر وإذا أمر الأرض أن تنبت فتنبت.
ـ ومن العجيب أن البعض قد يرضى عن الدنيا والزمان على أنه هو الذي يصيب الإنسان بالبلاء وهو الذي قدر المرض والشيخوخة والموت على الإنسان، ويظن بمشاعره أن الموت هو النهاية ولا شيء بعده، فيرضى ويطمئن إلى الدنيا والزمان: (( إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ، أُولَئِكَ مَاوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) ) [2] ، وهو بذلك يقول بمشاعره أن الزمان هو الذي أوجدنا وقدر علينا الابتلاءات وعلينا أن نخضع له ونرضى به، ولأن الزمان هو شيء معنوي فهو يقصد بالزمان أنه لا شيء خلقه وإنما وجد هكذا من غير شيء ـ وذلك في مشاعره وليس في يقينه النظري ـ: (( أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ ) ) [3] ، وربما تسمع في الأغاني ما يفيد أن الزمان هو الذي يفعل بنا الأفاعيل.
ـ العلاقة بين الضعيف والقوي، أو العلاقة بين العاجز والقادر، أو العلاقة بين العبد والسيد، أو العلاقة بين الخاضع والمتكبر، أو العلاقة بين الذليل والعزيز، أو العلاقة بين الفقير والغني، أو العلاقة بين المملوك والمالك، أو العلاقة بين الذي لا ينفع ولا يضر والنافع الضار، هي بالنظر إلى ضعف الضعيف علاقة خضوع وتوكل ورضا، وبالنظر إلى قوة القوي هي علاقة خوف مهابة وحب وخوف العقاب ورجاء الثواب.
ـ أما العلاقة بين الضعيف والقوي من جهة القوي فهي علاقة سيطرة وهيمنة وهو يطعمه ويسقيه وإذا مرض فهو يشفيه إذا أراد، والله هو المتكبر المعظم الذي يأمر الناس بأن يذلوا له ويركعوا له ويخضعوا له ويسجدوا له ويعيشوا عبيدا أذلاء لسيدهم رب العالمين، وهذا شرف لهم وعزة لهم.
ـ القادر إذا أمر العاجز بأمر ما، فإن العاجز يستعين بالقادر على أداء هذا الأمر لأنه بغير ذلك لا يستطيع القيام بالأمر، فكذلك إذا أمر الله الإنسان بالعبادة فإنه يستعين بالله على القيام بهذه العبادة كما أراد الله تعالى، فيقول تعالى: (( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) ) [4] ، كأنه يقول لله اعني على نفسي وساعدني وكن معي، فالعاجز إذا لم يستعن بالقادر دل ذلك على أنه لا يشعر بأنه عاجز أو يقينه بذلك ضعيف.
ـ الشعور بأن الله وحده القوي والقادر والنافع والضار وغيره لا يقدر ولا ينفع ولا يضر يؤدي إلى الشعور بالتوكل عليه والخضوع له، فلا يستعين الإنسان بنفسه أو بغيره من البشر أو بأي شيء سوى الله سواء كان شيئا معنويا أو شيئا حسيا، فالضعيف لا يستطيع عمل شيء وهو يستعين بالقوى على عمل ما يريده ولا يستعين بغيره من الضعفاء لأنهم لا يستطيعون شيئا، وعدم الاستعانة بالله معناها أن الإنسان يرى نفسه أو غيره من البشر أو الأشياء ليس بضعيف ويمكن أن يعتمد على نفسه أو غيره في قضاء حاجاته أو يقينه بضعف نفسه ضعيف.
ـ فكل شيء هو من عند الله وحده، فالهداية من الله والرزق من الله والتوفيق للأعمال الصالحة من الله وما يصيب الإنسان من خير أو شر هو من إرادة الله له، وغير الله لا ينفع ولا يضر، والإنسان لا يستطيع أن يهدي نفسه ولا أن ينفع نفسه ومشيئة الإنسان مقيدة بمشيئة الله تعالى، فلا يحدث في الكون شيء إلا بأمر الله وعلمه سبحانه، والله مالك كل شيء ومالك الشيء له أن يفعل بما يملك أي شيء، فمن كان عنده يقين حقيقي بذلك أسلم نفسه لله وفوض أمره إليه فهذا هو معنى التوكل.
ـ الحالة النفسية للتوكل:
ـ الإنسان يستعين بغيره عندما يشعر بثلاثة أمور هي الشعور بالاحتياج والنقص (الشعور بضعف الإنسان) ، والشعور بقدرة من يعينه على إعانته (الشعور بقدرة الله) ، والاطمئنان والثقة في أن من يستعين به سيعينه (الشعور بأن الله هو الوكيل والكفيل والكافي والرزاق والولي) .
ـ والإنسان يتوكل على الله وحده إذا شعر بأن غير الله ضعيف ولا ينفع ولا يضر.
ـ والتوكل على الله يؤدي إلى عدم انشغال الهموم بجلب الرزق وتحصيل الدنيا، فالحالة النفسية المميزة للتوكل هي الشعور بالاطمئنان والراحة النفسية من هموم الدنيا ومن الهم بجلب الرزق وتحصيل الدنيا فلا تكون هدف الإنسان وقضيته، كما أن الشعور بأن غير الله لا ينفع ولا يضر يؤدي إلى الارتياح النفسي لأنه لا يحمل هما لما سوى الله، وكلما نقص إيمان العبد كلما نقص توكله وانشغل همه بالدنيا.
ـ فالإنسان قد يشعر بالاطمئنان والثقة والراحة إلى أن له مصدر دخل ثابت شهريا من عمل حكومي أو معاش مثلا يوفي له ما يريد (وذلك ينشأ من ضعف شعوره بأن الله هو الرزاق أو من غياب ذلك الشعور) .
ـ كذلك المتوكل على الله يشعر بالاطمئنان والثقة والراحة إلى أن هناك من يمده بما يحتاجه فهو يطمئن إلى الله الوكيل والرزاق، فهو مطمئن إلى رزقه ومطمئن إلى أنه إن استعان بالخالق لم يخذله.
ـ فالتوكل هو شعور بضعف الإنسان واستسلامه لله وانهزامه بين يدي الله وتفويض أمره لله ليفعل الله به ما يشاء، مثل شعور اليتيم الذي يحتاج إلى من يكفله وينفق عليه، ومثل شعور الأعمى الذي يحتاج إلى المبصر ليحدد له اتجاه سيره ويسير به حيث يريد، ومثل شعور الذي يجلس على كرسي بعجلات ويحتاج إلى من يقوده، ومثل شعور السائل (الشحاذ) الذي يحتاج إلى الناس فيسألهم أن يعطوه، ومثل شعور الفقير الذي ذاق طعم الفقر فهو يحتاج إلى الغني ليعطيه، ومثل شعور الطفل الذي يحتاج إلى أبوية في طعامه وشرابه ونومه ورعايته، ومثل شعور التائه الذي ضل الطريق فهو يحتاج إلى من يهديه، ومثل شعور الجائع الذي ذاق طعم الجوع فهو يحتاج إلى الغني ليعطيه طعاما، ولذلك ففي الحديث القدسي عن رب العزة سبحانه: (( يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم، يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم ) ) [5] ، وحقيقة الإنسان هو أنه أعمى لا يبصر لأن عينه ليست ملكه وإنما هي ملك لله تعالى أعطاها الله له، وهو أصم وأبكم لأنه لا يملك الإذن ولا اللسان، وهو فقير لأن المال الذي عنده هو ملك لله، وهو مجرد من كل شيء ولا يعلم شيئا لأن عقله ملك لله،
(1) البينة: 8
(2) يونس: 7، 8
(3) الطور: 35
(4) الفاتحة: 5
(5) تحقيق الألباني: صحيح (انظر حديث رقم: 4345 في صحيح الجامع)