فهرس الكتاب

الصفحة 240 من 249

فهو مثلما كان في بطن أمه في المراحل الأولى حيث كان لا يسمع ولا يرى: (( وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) ) [1] .

ـ فالإنسان إذا شعر بأن غير الله لا ينفع ولا يضر فشعر بأنه هو نفسه لا ينفع ولا يضر وبأن الأسباب لا تنفع ولا تضر وبأن كل الناس والأشياء لا تنفع ولا تضر، والشيء الذي لا ينفع ولا يضر هو شيء لا قيمة له فإنه عندئذ يشعر بالاستسلام والانهزام ويشعر بأنه في حاجة إلى من يكفله ويقوم بأمره ويرعاه لأنه عاجز عن أن ينفع نفسه، فيلجأ إلى الله ليستعين به ويحتمي به، فيكون كالطفل كلما احتاج إلى أمر لجأ إلى أبويه وهو يثق بأن أبويه لن يخذلانه، لأن القوي لا يخذل الضعيف، ولذلك يقول شيخ الإسلام ابن القيم: (( فإن قلت فما معنى التوكل والاستعانة، قلت هو حال للقلب ينشأ عن معرفته بالله والإيمان بتفرده بالخلق والتدبير والضر والنفع والعطاء والمنع وأنه ما شاء كان ـ وإن لم يشأ الناس ـ وما لم يشأ لم يكن ـ وإن شاءه الناس ـ فيوجب له هذا اعتمادا عليه وتفويضا إليه وطمأنينة به وثقة به ويقينا بكفايته لما توكل عليه فيه وأنه ملي به ولا يكون إلا بمشيئته شاءه الناس أم أبوه، فتشبه حالته حالة الطفل مع أبويه فيما ينويه من رغبة ورهبة هما مليان بهما، فانظر في تجرد قلبه عن الالتفات إلى غير أبويه وحبس همه على إنزال ما ينويه بهما، فهذه حال المتوكل، ومن كان هكذا مع الله فالله كافيه ولا بد قال الله تعالى:(وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ) [الطلاق/3] أي كافيه والحسب الكافي )) [2] .

ـ (( قيل لحاتم الأصم: على ما بنيت أمرك هذا من التوكل؟، قال: على أربع خلال: علمت أن رزقي لا يأكله غيري فلست أهتم له، وعلمت أن عملي لا يعمله غيري فأنا مشغول به، وعلمت أن الموت يأتيني بغتة فأنا أبادره، وعلمت أني بعين الله في كل حال فأنا أستحيي منه ) ) [3] .

ـ قلق الإنسان من عدم وجود عمل يتكسب منه، أو خوفا من أنه قد يترك العمل ... الخ، فكل ذلك يدل على عدم توكله على الله (يستثنى القلق الفطري الخارج عن إرادة الإنسان) .

ـ وكذلك من سرق مليما فليس بمتوكل، لأنه استعجل رزقه الذي كان سوف يأتيه حتما، والإنسان إذا أخذ مليما ليس من رزقه فلن يستطيع إنفاقه أو أنه يَضيع منه أو يصرفه في شيء لا قيمة له أو يمرض أو يمرض أحد من أبناؤه فيصرفه في العلاج، أو يصاب بابتلاء بفقد شيء من ممتلكاته .... الخ.

ـ الأسباب لا تنفع ولا تضر:

ـ الأسباب لا تنفع ولا تضر، والحكمة من أن الله أمرنا بالأخذ بالأسباب رغم أنها لا تنفع ولا تضر ليختبرنا هل نطيعه أم نعصيه، فنحن نأخذ بالأسباب طاعة لله رغم أنها لا تنفع ولا تضر.

ـ فينبغي عدم الربط بين العمل للكسب وبين الرزق، فالناس كلهم عاطلين عالة على الله، وما يعملونه للكسب هو مجرد لعب ولهو من ناحية علاقته بالرزق، وهو طاعة من الطاعات من حيث أن تركه معصية.

ـ فالأسباب عبارة عن قوانين تسير بها الأشياء فمن الذي وضع هذه القوانين؟، فالله هو الذي خلق القانون الذي يسير به الكون، ففي تفسير الشعراوي: (( فلا تظن أن الكون قائم على قانون يُديره، بل على القيومية القائمة على كل أمر من أمور الكون ) ) [4] ، فالإنسان إما أن يؤمن بالله الذي يخرق الأسباب وإما أن يؤمن بالأسباب فيكون مادي، فإما أن يعبد الله وإما أن يعبد الأسباب.

ـ فالأسباب هي قوانين مخلوقة لا تنفع ولا تضر، فهذه القوانين عند البشر فقط وليست عند الله، فالبشر لا يستطيع أن يلغي الأسباب ولكن الله يستطيع أن يلغي الأسباب لأنه هو الذي خلقها ووضعها.

ـ فمثلا قانون الجاذبية هو الذي يجعلك إذا سقط شيء من يدك أن يقع على الأرض، فهذا القانون مخلوق يلزمك أنت ولكن لا يلزم الله، فالله إذا أراد أن لا يقع على الأرض ما يسقط من يدك لفعل، كما أن قانون الجاذبية لا يستطيع أن يفعل

(1) النحل: 78

(2) التفسير القيم لابن القيم ـ دار ومكتبة الهلال - بيروت (ج: 1، ص: 76)

(3) شعب الإيمان ـ مكتبة الرشد للنشر والتوزيع بالرياض (ج: 2، ص: 456)

(4) تفسير الشعراوي ـ مطابع أخبار اليوم (ج: 1، ص: 5585)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت