فهرس الكتاب

الصفحة 241 من 249

شيء فليس هو الفاعل الحقيقي، ولكن الفاعل هو الله سبحانه، فإذا سقط شيء من يدك فوقع على الأرض فنقول أن سبب ذلك قانون الجاذبية مجازا لكن في الحقيقة الله هو الذي أوقع ما سقط من يدك على الأرض لأن الله هو الذي صمم هذا القانون.

ـ وكذلك فالدواء لا يشفي والشافي هو الله، فالله هو الذي جعل الدواء يؤدي إلى الشفاء لأنه هو الذي خلق القانون الذي به يستطيع الدواء أن يؤدي إلى الشفاء، أي أن الله هو الذي خلق الخواص المعينة التي في الدواء، والخواص المعينة الموجودة في الجسم بحيث إذا وضع الدواء نتج الشفاء، والإنسان فقط يكتشف ويعرف ما هو موجود فيستفيد من خواصه وليس يخترع ويبتكر الخواص التي تؤدي إلى الشفاء، وقد يريد الله للمريض أن يشفى بغير دواء ولا أسباب، والإنسان مطالب أن يأخذ بالأسباب فقط لأن الله أمره بذلك لأن عدم الأخذ بالأسباب معصية.

ـ عبادة الأسباب:

ـ قد يكون الإنسان على اقتناع نظري تام وإيمان كامل بأن الله هو النافع الضار الشافي الرازق الوكيل الكفيل وأن كل شيء بيد الله وأنه متوكل على الله تماما، لكن حقيقة مشاعره تقول أن كل شيء بالأسباب، وأن كل شيء يمكن صناعته بالعمل، وكل شيء يمكن شراءه بالمال، وأنه يحصل على المال من كده وتعبه، وأن الأسباب هي التي تفعل كل شيء، فشعوره بالخضوع يكون للأسباب وشعوره بالخوف متعلق بالأسباب وشعوره بالحب للأسباب، لذلك فهو يعيش في عالم الأسباب كل شيء عنده بالحساب وبالتخطيط وبالاستقراء وبالمعادلات الرياضية، بل إنه يرى أن المشاعر نفسها يمكن صناعتها بالأسباب!.

ـ قد يكون الإنسان على اقتناع تام بأنه متوكل على الله وأن كل شيء بأمر الله، لكن في حقيقة الأمر يعتمد على عقله ويعتمد على الأسباب حيث تتعلق مشاعره وهمومه وتفكيره وأمانيه بالأسباب أكبر من تعلقها بالله، فإن مشاعره تقول عندئذ: الأسباب هي التي تنفع وتضر، والأسباب هي التي ترزق، فبغير الأسباب ينقطع الرزق، وما مع الإنسان من مال هو من كد يده فحصل عليه من سعيه، والعقل والتخطيط هو الذي يقي الإنسان من المشاكل، وفلان هو الواسطة الذي جلب لي الوظيفة المعينة، والأسباب هي التي تصنع كل شيء، فمثل هذا يعبد الأسباب، وإن كان على اقتناع تام بأنه متوكل على الله تعالى؟!!.

ـ فرجاؤه في الأسباب أكبر من رجاؤه في الله، وخوفه من الأسباب أكبر من خوفه من الله، وخضوعه لقانون الأسباب أكبر من خضوعه لله، فلا يشعر أن الأسباب مخلوقة ولا تملك نفعا ولا ضرا.

ـ فكل حزنه وفرحه وهمه وأمله في الأسباب، فتأثر مشاعره يعتمد ويتوقف على الأسباب لا على الله.

3ـ انشغال البال

ـ يحدث إلغاء لرغبات النفس، وتنهدم أهدافه وطموحاته الدنيوية التي كان يعيش من أجلها، ويحدث تفريغ للذهن، فلا ينشغل بالدنيا، وهنا يقول شيخ الإسلام ابن القيم: (( اعلم أن القلب إذا خلى من الاهتمام بالدنيا والتعلق بما فيها من مال أو رياسة أو صورة وتعلق بالآخرة والاهتمام بها من تحصيل العدة والتأهب للقدوم على الله عز و جل فذلك أول فتوحه وتباشير فجره ) ) [1] .

ـ وينشغل البال بوقوع الإنسان طوال وقته تحت قدرة الله ومراقبته، ينشغل بترقب الآخرة، وينشغل بصورة الجنة والنار التي ربما تكاد لا تفارق ذهن العاقل.

(1) مدارج السالكين ـ دار الكتاب العربي - بيروت (3/ 352)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت