يعترض أيضا بمشاعره على الله وأن ذلك مقدر أو بأن هذا ظلم وتعدي من الله عليه بدون وجه حق، ونفس الشعور قد يحدث له عند خروج الروح لأنه يُسلب كل شيء.
ـ قد يذهب الإنسان إلى المقابر أو يرى قريبا له وهو يغسل فيهتز وجدانه وتتأثر مشاعره، فيعلم عندئذ فقط ماذا يعني الموت، أي يتصور ويدرك ويعي معنى الموت وأنه نهاية كل شيء في الدنيا، فينشأ عن ذلك أن لا يسعى للدنيا لأنها تفنى سريعا في لحظة فتلك تجارة خاسرة.
ـ وقد يفعل إنسان آخر نفس الشيء لكن لا يعتبر ولا يفهم معنى الموت، فهذا هو الفرق بين من يوقن يقينا حقيقيا بأنه سيموت ومن يوقن يقينا نظريا فقط بأنه سيموت.
ـ من كان يشعر بأن الموت هو النهاية فهذا معناه أن لا يوقن بالآخرة ولقاء الله يقينا حقيقيا، أما من كان يشعر بأن الموت هو مجرد انتقال وسفر إلى مرحلة أخرى فهذا معناه أن يوقن بالآخرة ولقاء الله يقينا حقيقيا، وبالتالي يكون الأول مرعوبا جدا من الموت وقد يحسب أن الله يظلمه بإماتته، أما الثاني فليس مرعوبا من الموت ولكن يخاف من مهابة الانتقال إلى مرحلة شديدة الخطر مجهولة لا يدري ما يناله منها.
ـ الموت معناه تسليم الأمانة لصاحبها!، فالله هو المالك لكل شيء، فأنت تعيش في ملك الله وعلى أرض الله، والهواء الذي تتنفسه ملك لله، والشقة التي تسكن فيها هي ملك لله، وأنت نفسك وجسمك ويدك وزوجتك وأولادك ملك لله تعالى، وكل ذلك أعطاك الله إياه كأمانه يستردها في موعد محدد، هذا الموعد هو الموت، فالموت هو سلب لكل النعم، والابتلاء هو سلب لبعض النعم، فالموت معناه أن تترك كل شيء مالك وأهلك ووظيفتك وأعضاؤك وروحك التي تجعلك تتحرك، وكل ذلك ليس ملكا لك وإنما أمانة يستردها الله منك، فهذا هو معنى الموت، فمن عرف معنى الموت معرفة حقيقية فإنه لا يفزع من الموت لأنه إعطاء الأمانة لصاحبها وأنت محبا له لأنه جعلك تستفيد منها طوال هذه المدة التي عشتها في الدنيا.
ـ ولا يتحقق الإيمان بغير الإيمان بالموت ففي الحديث: (( لا يؤمن عبد حتى يؤمن بأربع: يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله بعثني بالحق، ويؤمن بالموت، ويؤمن بالبعث بعد الموت، ويؤمن بالقدر خيره وشره ) ) [1] .
ـ إن كل إنسان عنده اقتناع نظري تمام وبلا أدنى شك أنه سيموت ويترك كل شيء، لكن بلسان المشاعر فكأنما يقول: لن أموت أو لا أريد أن أموت، خاصة إذا كان صاحب جاه ومنصب ودنيا وممتلكات فكون أنه يموت ويكون تحت التراب فهذا في لغة المشاعر هراء ولا يمكن أبدا! (( وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ) ) [2] ، إن الإنسان لو شعر فعلا بالموت لشعر بالخوف والقلق وشعر بمدي ضعف الإنسان وشعر بأن هناك قوة أعلي من الإنسان هي التي تميته وتفعل به ما تشاء هي قوة الله تعالى، وشعر بالخضوع لمن له هذه القوة، ولتغير حاله تماما، كما أن الناس لو شعروا بالموت لما نظروا إلى أصحاب الجاه والمناصب والممتلكات نظرة تعظيم، ولكن الموت في مشاعر البعض كلمة عادية روتينية فلا يشعر بما تعنيه الكلمة من خطر، حيث كلمة الموت في لغة المشاعر تعني فقدان كل شيء وتعني ذهاب عن الدنيا بلا رجعة، إن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يأمرنا بالذهاب إلى المقابر لا لنعرف ونقتنع بأننا سنموت فكل إنسان علي اقتناع نظري تام بالموت ولكن لنشعر بالموت ونتصوره، إن الشعور بخطورة الموت يؤدي إلى شعور بضآلة الدنيا وشعور بغباء مَنْ يسعى لها، فأيهما يفضل الإنسان ويريد؟ حياة الدنيا أم حياة الآخرة؟: (( فَأَمَّا مَنْ طَغَى، وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا، فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَاوَى ) ) [3] ، كما أن الذي يشعر بالموت لا يهمه كل مصائب الدنيا لأنها أقل من مصيبة الموت، ولأن مصائب الدنيا تعني ترك جزء مما تملك من صحة أو مال أو ممتلكات .. إلخ، أما الموت فهو ترك كل شيء، إذن سواء تركت شيئا مما تملك في حياتك أم لم تترك فالنهاية واحدة هي أنك تترك كل شيء عند الموت، فهذا يعني عدم الاكتراث وعدم السخط والغضب علي مصائب الدنيا، والذي يوقن يقينا حقيقيا بالموت فإنه يعيش حياته يعبد الذي يميته: (( قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ ) ) [4] ، فهناك من وضع للإنسان شيء اسمه الشيخوخة لكي يعلم الإنسان أنه لا يمكن أن يخلد في الدنيا وأن هناك من قدًّرَ عليه الموت: (( وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلا يَعْقِلُونَ ) ) [5] ، ومهما حاول الإنسان التغافل والهروب عن الحقيقة والمصير القادم، فإنها أيام قصيرة وغدا اللقاء رضي أم لم يرضى، شعر بذلك أم لم يشعر، وقد سبقه الكثير إلى هناك ولكن من عنده مشاعر يحس بها؟ (( إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ ) ) [6] ، وإنه غدا تنتهي الحياة فماذا أنت صانع؟.
ـ والموت يسمى هاذم اللذات لأن من يشعر بأنه سيموت يوما ما فإن حياته وما فيها من متع ولذات سوف تتكدر، وفي الحديث: (( أكثروا ذكر هاذم اللذات الموت ) ) [7] ، فكيف يفرح الإنسان بشيء هو مفارقه، فهو مفارق لكل النعم، يقول الشيخ أبو حامد الغزالي: (( ومهما طاب قلبه بشيء من الدنيا ينبغي أن يتذكر في الحال أنه لابد له من مفارقته، نظر ابن مطيع ذات يوم إلى داره فأعجبه حسنها ثم بكى فقال والله لولا الموت لكنت بك مسرورا ولولا ما نصير إليه من ضيق القبور لقرت بالدنيا أعيننا ثم بكى بكاء شديدا حتى ارتفع صوته ) ) [8] ، وفي الحديث: (( استحيوا من الله حق الحياء قال قلنا يا رسول الله إنا نستحيي والحمد لله قال ليس ذاك ولكن الاستحياء من الله حق الحياء أن تحفظ الرأس وما وعى والبطن وما حوى ولتذكر الموت والبلى ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء ) ) [9] ، وفي الحديث: (( اذكر الموت في صلاتك فإن الرجل إذا ذكر الموت في صلاته لحري أن يحسن صلاته وصل صلاة رجل لا يظن أنه يصلي صلاة غيرها وإياك وكل أمر يعتذر منه ) ) [10] ، وفي الحديث: (( اعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك واحسب نفسك مع الموتى واتق دعوة المظلوم فإنها مستجابة ) ) [11] ، وفي رواية أخرى: (( اعبد الله كأنك تراه وعد نفسك في الموتى ) ) [12] ، وفي الحديث: (( ما حق امرئ مسلم تمر عليه ثلاث ليال إلا وعنده وصيته، قال عبد الله بن عمر: ما مرت علي منذ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذلك إلا وعندي وصيتي ) ) [13] ، ولذلك يقول تعالى: (( إنك ميت وإنهم ميتون ) ) [14] ولم يقل إنك ستموت وإنهم سيموتون حتى يعد الإنسان نفسه من الموتى.
ـ ورد عن حذيفة بن اليمان أنه كان يقول: (( ما من صباح ولا مساء إلا ومناد ينادي: يا أيها الناس الرحيل الرحيل، وإن تصديق ذلك في كتاب الله عز وجل:(إنها لإحدى الكبر نذيرا للبشر لمن شاء منكم أن يتقدم) قال: في الموت (أو يتأخر) قال: في الموت )) [15] .
ـ فالموت عند المؤمن هو اليوم المنتظر، فهو يعيش عمره ينتظر هذا اليوم الذي بعده السعادة الأبدية، أما المنافق فيتجاهل ذلك اليوم، ففي مشاعره أن لقاء الله أمر لا وجود له لأنه لا يشعر له بقيمة، فهو بذلك لا يريد لقاء الله رغم اليقين النظري التام بأنه سوف يلقى الله: (( إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ، أُولَئِكَ مَاوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) ) [16] ، (( بَلْ كَانُوا لا يَرْجُونَ نُشُورًا ) ) [17] ، (( أنهم كَانُوا لا يَرْجُونَ حِسَابًا ) ) [18] .
ـ فنسيان الموت وتجاهله مثل نسيان الآخرة ونسيان الله، فإن جميع الناس يؤمنون بالموت ويوقنون به تماما لكن لا يتأثرون بالموت مطلقا كأنه شيء غير مؤثر وكأنه غير موجود، كذلك اليقين بالله وبالآخرة موجود لكنه يقين نظري بلا أثر في النفس أو الهم أو المشاعر، بل إن البعض قد يعجب: وهل معرفة الإنسان بالله والآخرة أمور مؤثرة؟!! وكأن
(1) تحقيق الألباني: صحيح (صحيح الجامع برقم 7584)
(2) البقرة: 96
(3) النازعات: 37
(4) يونس: من الآية 104
(5) يّس: 68
(6) قّ: 37
(7) تحقيق الألباني: صحيح (صحيح الجامع: برقم 1210)
(8) إحياء علوم الدين ـ دار المعرفة - بيروت (ج: 4، ص: 452)
(9) قال الشيخ الألباني: حسن (جامع الترمذي ج: 4، ص: 637، برقم 2458)
(10) تحقيق الألباني: حسن (صحيح الجامع برقم: 849)
(11) تحقيق الألباني: حسن (صحيح الجامع برقم: 1037)
(12) تحقيق الألباني: حسن (صحيح الجامع برقم: 1038)
(13) قال الشيخ الألباني: صحيح (سنن النسائي ج: 6، ص: 239، برقم: 3618)
(14) الزمر: 30
(15) الزهد ـ لابن أبي الدنيا ـ دار ابن كثير، دمشق (ج: 1، ص: 44)
(16) يونس: 7، 8
(17) الفرقان: من الآية 40
(18) النبأ: 27