1 ـ كل من بلغته دعوة الرسل هو يؤمن بصدق الرسل وبالتالي يوقن بوجود الله والآخرة وإن قال غير ذلك: (( فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ) ) [1] ، (( وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ) ) [2] ، (( قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إلا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ) ) [3] ، ولقد كان أبو طالب يقول: (( لقد علموا أن ابننا لا مكذب لدينا، ولا يعني بقول الأباطل ) ) [4] .
2 ـ اليقين النظري بتوحيد الله موجود عند جميع الناس ومقتنعين به في داخلهم، ففي التفسير المنير: (((وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ) فالمراد من الآية أن اللّه تعالى جعل الفطرة التي فطروا عليها من الإقرار بالتوحيد حجة مستقلة عليهم، ولهذا قال:"أَنْ تَقُولُوا"أي لئلا تقولوا يوم القيامة: إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا أي التوحيد غافِلِينَ أي لم ننبه إليه )) [5] ، وهذا اليقين النظري كان موجودا عندهم في حياة الذر (أي قبل الخلق) ولا يزال موجودا عندهم في الدنيا إذ لو لم يكن موجودا عندهم في الدنيا لكان حجة لهم يوم القيامة لأن غياب هذا الأمر عنهم لا دخل لهم فيه، فاليقين النظري موجود عندهم لكنهم تغافلوا عنه وتناسوه وأعرضوا عنه عنادا.
ـ وفي تفسير السمعاني: (( {فَأَما الَّذين اسودت وُجُوههم أكفرتم بعد إيمَانكُمْ} أَي: يُقَال لَهُم: أكفرتم بعد إيمَانكُمْ؟!، فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ كفرُوا بعد الْإِيمَان وَلم يَكُونُوا مُؤمنين قطّ؟ قيل أَرَادَ بِهِ إِيمَان يَوْم الْمِيثَاق، وَكَفرُوا بعده ) ) [6] فكل مولود يولد على هذا الإيمان ثم بعد ذلك يضيع الإيمان ولا يبقى منه غير اليقين النظري: (( كل مولود يولد على الفطرة حتى يعرب عنه لسانه فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ) ) [7] ، فيتناسى التوحيد بعدما عقله وتنتقل مشاعره للدنيا، أي بعد أن كان لديه رصيد كامل من الخوف من الله وحبه ورجاءه، يظل ينقص هذا الرصيد كلما أحب الدنيا وكلما خاف غير الله حتى تنتقل مشاعره للدنيا ويخضع لها.
3 ـ الإنسان الضال يعلم الحق ويوقن بالحق ورغم ذلك يختار الباطل، ففي تفسير البحر المحيط: (((أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً) [8] :"وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ": أي من اللّه تعالى سابق، أو على علم من هذا الضال بأن الحق هو الدين، ويعرض عنه عنادا، فيكون كقوله: وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ )) [9] ، وفي تفسير التسهيل لعلوم التنزيل: (( {اتخذ إلهه هَوَاهُ} أي أطاعه حتى صار له كالإله {وَأَضَلَّهُ الله على عِلْمٍ} أي علم من الله سابق، وقيل: على علم من هذا الضال بأنه على ضلال، ولكنه يتبع الضلال معاندة ) ) [10] ، وفي التفسير الوسيط للقرآن الكريم: (( وقوله: وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ أي: وأضل اللّه - تعالى - هذا الشقي، بأن خلق فيه الضلالة، على علم منه - سبحانه - بأن هذا الشقي أهل لذلك لاستحبابه العمى على الهدى، فيكون قوله عَلى عِلْمٍ حال من الفاعل، أي أضله - سبحانه - حالة كونه عالما بأنه من أهل الضلال، ويصح أن يكون حالا من المفعول، أي: وأضل اللّه - تعالى - هذا الشقي، والحال أن هذا الشقي عالم بطريق الإيمان، ولكنه استحب الغي على الرشد ) ) [11] .
4 ـ اليقين النظري بالآخرة موجود عند كل الناس لأن الله يصف الكفار بأنهم"نسوا الآخرة": (( فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا ) ) [12] ، والذي ينسى شيئا أو يتناساه لابد أنه كان يعلمه مسبقا، فالكفار كانوا يوقنون نظريا بصدق دعوة الرسل وبصدق ما كانت تقوله الرسل من وجود الآخرة، كما أن آيات الكون تدل على أنه لابد من حياة أخرى يكون فيها الثواب والعقاب، فلا يمكن أن يترك الله الإنسان الذي لم يخضع لله يموت يغير عقاب ولن يترك الذي خضع له يموت بغير
(1) الأنعام: من الآية 33
(2) النمل: من الآية 14
(3) النمل: من الآية 14
(4) مصباح الظلام ـ وزارة الشؤن الإسلامية والأوقاف والدعوة والأرشاد (1/ 214)
(5) التفسير المنير للزحيلي ـ دار الفكر المعاصر - دمشق (9/ 159)
(6) السمعاني ـ دار الوطن، الرياض - السعودية (1/ 347)
(7) تحقيق الألباني: صحيح (انظر حديث رقم: 4559 في صحيح الجامع)
(8) الجاثية: 23
(9) البحر المحيط ـ دار الفكر - بيروت (9/ 422)
(10) التسهيل لعلوم التنزيل لابن جزي ـ شركة دار الأرقم بن أبي الأرقم - بيروت (2/ 272)
(11) التفسير الوسيط للقرآن الكريم لطنطاوي (13/ 161)
(12) السجدة: 14