ـ والمؤمن يعيش في هذه الدنيا في مرحلة ما قبل تحقيق الشهوة، ولكن الشهوة هنا هي شهوات الجنة، فعنده شوق إلى الحور العين.
ـ ثانيا: مرحلة الحصول على شهوات الدنيا (مرحلة الإفاقة لكن مع التجاهل!) :
ـ هذه مرحلة الإفاقة حيث يعي الإنسان حقيقتها بعد أن يعاينها، والمعاينة أكبر صورة للتصور، ولكن قد يحدث هنا تجاهل وعدم تدبر لحقيقة هذه الشهوات بعد معاينتها، لأنه لو تدبر قليلا فإنه يفيق إلى حقيقة ضآلتها، بل إنه يتجاهل أنه قد حقق هذه الشهوات ويتصور أنه لا يزال لم يصل ويحتاج إلى المزيد منها لأنه لم يحققها، فيظل يعيش في مرحلة ما قبل الوصول للشهوات حتى يموت.
ـ فمثلا الإنسان الجائع قد يكون عنده تزيين لمدى اللذة في ألوان الطعام والشراب، ولكن بعد أن يأكل يجد أن القضية هي لقيمات تسد الجوف حيث أن طاقته لا تسمح بمزيد من الطعام وأن لذة الطعام تقل كلما أكل أكثر، لكنه يتناسى ذلك فكلما جاع اشتهى ألوان الطعام سواء من حيث الكم أو الكيف، وكذلك الإنسان قبل أن يقضي شهوته، وكذلك الإنسان قبل أن يصبح غنيا أو قبل أن يحقق المنصب، فيظل الإنسان دائما يشعر أنه لم يحقق شهوات الدنيا فهو دائما فقير ويحتاج إلى المظاهر ويحتاج لشهوات الطعام والشراب حتى بعد أن يحقق هذه الشهوات، وفي الحديث: (( ... ولو كان لابن آدم واد لأحب أن يكون له ثان، ولو كان له واديان لأحب أن يكون لهما ثالث، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ) ) [1] ، فهو دائما يعيش في مرحلة ما قبل الوصول للشهوات.
ـ هي شهوة إخراج المني (شهوة الفرج) وشهوة ملئ البطن وشهوة جمع المال والتنعم بوسائل الراحة وشهوة التعالي بهذه الشهوات على غيره من الناس.
ـ الإنسان يعيش من أجل هذه الشهوات، أو يعيش في مرحلة ما قبل تحقيق هذه الشهوات، فمنهم من يريد ذلك في الدنيا، لأنه يرى أن هذه الشهوات في الدنيا، فيعيشون في صراع من اجل هذه الشهوات، ومنهم من يريد ذلك في الجنة، لأنه يرى أن هذه الشهوات إنما هي في الجنة.
ـ ويتضح ضآلة شهوات الدنيا الأربعة في أربعة نواحي هي:
1 ـ لأن شهوات الدنيا محدودة بحد لا تزيد عليه فالإنسان له قدرة محدودة لا يستطيع بعد هذا الحد الاستزادة منها، حيث يحدث الملل.
2 ـ لأنها وقتية فبعد إشباع الشهوة تنتفي الشهوة سواء شهوة الطعام أو شهوة الجماع.
3 ـ أنها تقل مع تقدم العمر أو ضعف الصحة.
4 ـ أنها تزول بزوال الدنيا، ووقت الدنيا محدود.
ـ وأهم من كل ذلك أنها بالمقارنة بشهوات الجنة فهي تساوي صفر.
ـ وفيما يلي نبين كيف يكون الشعور بضآلة شهوات الدنيا الأربعة في حد ذاتها كالتالي:
ـ أولا: الشعور بضآلة شهوة المال في حد ذاتها
ـ المقصود بشهوة المال التمتع بما يشترى بالمال مثل التمتع بمسكن مريح وسيارة فارهة وملبس وغير ذلك، والمقصود به أيضا شهوة جمع المال وكنزه وعدم إنفاقه ولو على نفسه.
ـ التعامل الخاطئ مع المال:
ـ أولا: عمل العقل:
1 ـ التصور الخاطئ لقيمة المال أنه يجلب السعادة، فالإنسان لا يحتاج أكثر من لقمة تسد جوفه وملبس يستر عورته ومكان ينام فيه وما يزيد عن ذلك فهو توسع ليس ضروريا، كما أن الإنسان مسافر مرتحل وليس مقيما في هذه الدنيا، والمسافر إنما يقيم خيمة يسترح فيها ليكمل السفر.
ـ والتصور الخاطئ أن المال والرزق يأتي به الإنسان من كده وسعيه وليس رزقا من الله محدد لا يزيد ولا ينقص، رغم أن الإنسان مطالب بالأخذ بالأسباب.
2 ـ الشعور بالقيمة: ينظر إلى المال نظرة انبهار وإعجاب، وينظر إلى أصحاب الثروات والغنى نظرة انبهار وإعجاب.
3 ـ انشغال الهموم: يظل همه مشغول بجمع المال والحصول عليه فيكون ذلك هدفه، ويكون عنده طول أمل في الحصول على المال.
ـ ثانيا: عمل المشاعر: يتعلق قلبه بالمال، فيحبه حبا جما، ويغضب ويحزن ويخاف على فواته.
ـ ثالثا: عمل الجوارح: يكون بخيلا ممسكا (في حين من يشعر بضآلة قيمة المال يكون زاهدا فيه) .
ـ إذن همه مشغول بالمال فعنده طول أمل في جمعه ويقينه بأن رزقه محدد ويأتيه من الله ضعيف أو غير موجود، فهو يعبد المال، ولن ينصلح حال الأمة إلا إذا تركت التعلق بالمال الذي أكل عقول الناس وقلوبهم، ففي الحديث: (( صلاح أول هذه الأمة بالزهد واليقين ويهلك آخرها بالبخل والأمل ) ) [2] ، وفي حديث آخر: (( نجا أول هذه الأمة باليقين والزهد ويهلك آخر هذه الأمة بالبخل والأمل ) ) [3] ، ومعنى الحديث: (( وقال الطيبي: أراد باليقين تيقن أن الله هو الرزاق المتكفل للأرزاق(وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها) فمن تيقن هذه في الدنيا لم يبخل لأن البخيل إنما يمسك المال لطول الأمل وعدم التيقن )) [4] ، وفي حديث آخر: (( إِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ فِتْنَةً وَفِتْنَةُ أمتي الْمَالُ ) ) [5] .
ـ وصعوبة الاختبار أن الإنسان مطالب بألا يكون هدفه جمع المال رغم الحب الفطري للمال فثمن الجنة غالي، فمن انتصر على محبة المال فهو الفائز، فالإنسان عنده حرص على المال وعنده طول أمل في جمعه، ففي تفسير الخازن: (( {وتحبون المال حبًا جمًّا} أي كثيرًا، والمعنى يحبون جمع المال، ويولعون به وبحبه، {كلا} أي لا ينبغي أن يكون الأمر هكذا، من الحرص على جمع المال وحبه ) ) [6] ، وفي الحديث: (( يهرم ابن آدم ويبقى معه اثنتان الحرص والأمل ) ) [7] .
ـ فالسعادة المادية في الدنيا ضئيلة وتتحقق بثلاثة أشياء هي ما جاء في الحديث: (( من أصبح منكم آمنا في سربه معافى في جسده عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها ) ) [8] ، فالإنسان لا يحتاج من الدنيا سوى إلى ثلاثة أمور هي:
1 ـ مكان ينام فيه: لأنه لو نام في الشارع لنام وهو قلق غير آمن فقد يدوسه شيء أو يؤذيه حيوان أو يسرقه سارق أو يضره التعرض للهواء المباشر، لذلك يحتاج لمكان محاط بأسوار وسقف حتى يحميه فيستطيع النوم فيه، ومهما توسع الإنسان في امتلاك القصور فلا تزيد وظيفة هذه القصور عن أنها مكانا ينام فيه آمنا.
2 ـ لقمة يأكلها: لا يحتاج الإنسان من الطعام سوى لقيمات تسد جوفه، ومهما توسع الإنسان في ألوان الطعام والشراب من الفواكه والأطعمة المختلفة فجميعها يتحول إلى براز يحمله الإنسان في بطنه وينزل إلى المجاري، فلو زاد عن ذلك تعرض للأمراض، وفي الحديث: (( إن مطعم ابن آدم قد ضرب مثلا للدنيا وإن قزحه وملحه فانظر إلى ما يصير ) ) [9] ، وفي حديث آخر: (( عن الضحاك بن سفيان رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له يا ضحاك ما طعامك قال يا رسول الله اللحم واللبن، قال ثم يصير إلى ماذا؟، قال إلى ما قد علمت، قال فإن الله تعالى ضرب ما يخرج
(1) تحقيق الألباني: صحيح (صحيح الجامع برقم: 1781)
(2) تحقيق الألباني: حسن (انظر حديث رقم: 3845 في صحيح الجامع)
(3) التخريج: حسن صحيح الترغيب والترهيب ج: 3، برقم: 3340
(4) فيض القدير شرح الجامع الصغير - المكتبة التجارية الكبرى - مصر (4/ 229)
(5) تحقيق الألباني: صحيح (انظر حديث رقم: 2148 في صحيح الجامع)
(6) تفسير الخازن ـ دار الكتب العلمية - بيروت (ج: 6، ص: 262)
(7) تحقيق الألباني: صحيح (انظر حديث رقم: 8173 في صحيح الجامع)
(8) تحقيق الألباني: حسن (انظر حديث رقم: 6042 في صحيح الجامع)
(9) تحقيق الألباني: حسن (صحيح الجامع برقم 2195)