ـ إذن فالمؤمن لا يحب إلا الله ولا يخاف إلا من الله ولا يخضع إلا لله ولا يرجو إلا الله ولا يتوكل إلا على الله، وهذا من كمال الإيمان، فإذا أحب شيئا غير الله (ولكن كان حبه لله أكبر) فذلك من ضعف الإيمان وضعف اليقين الحقيقي بأن الله هو النافع الضار.
فاليقين الحقيقي بأن الله وحده هو النافع الضار يؤدي إلى الشعور بالتسليم والخضوع حيث يعلم الإنسان أنه ضعيف لا يملك لنفسه حول ولا قوة ولا يملك لنفسه نفع ولا ضرر.
ـ كما يؤدي إلى التوكل على الله والشعور بالاحتياج إليه والاعتماد عليه لأن الإنسان لا يستطيع أن يجلب لنفسه النفع ويبعد عن نفسه الضر ويحتاج إلى من يجلب له النفع ويبعد عنه الضرر.
ـ كما يؤدي أيضا إلى عدم وجود مشاعر أو هموم أو أهداف متعلقة بالدنيا أو أي شيء غير الله، لأن الشيء الذي لا ينفع ولا يضر لا قيمة له ولا يهتم به أحد، فلا يخاف من بطش أحد.
ـ كمال اليقين يؤدي إلى كمال المشاعر:
ـ كلما زاد اليقين الحقيقي بصفات الله كلما زادت المشاعر المتعلقة بالله وكلما ابتعدت المشاعر عن التعلق بالدنيا، وكلما ضعف اليقين الحقيقي بصفات الله كلما ضعفت المشاعر المتعلقة بالله وكلما زادت المشاعر المتعلقة بالدنيا.
ـ المطلوب من المؤمن أن يصل إلى كمال اليقين وكمال الإيمان، وبالتالي الوصول إلى الكمال في المشاعر المتعلقة بالله وانقطاع المشاعر عن غير الله تماما إلا في الله (باستثناء المشاعر الفطرية الخارجة عن إرادة الإنسان) .
ـ عدم وصول المشاعر المتعلقة بالله كالشعور بالخضوع والحب والخوف من الله إلى درجة الكمال ووجود مشاعر متعلقة بغير الله دليل على ضعف اليقين الحقيقي وضعف الإيمان (أي لم يصل اليقين الحقيقي والإيمان إلى درجة الكمال) .
ـ وغياب المشاعر المتعلقة بالله كالشعور بالخضوع والحب والخوف من الله تماما دليل على غياب اليقين الحقيقي بصفات الله ووقوع الإنسان في النفاق الأكبر، وعندئذ تكون كل المشاعر متعلقة بالدنيا وغائبة تماما عن الله وما يتصل به (كحب الرسول صلى الله عليه وسلم والخوف من الآخرة) .
ـ المحافظ يقوم بإدارة شئون محافظته، ورئيس الدولة يقوم بإدارة شئون الدولة، ولكن هل هناك من يقوم بإدارة شئون الكرة الأرضية جميعها؟، الله وحده هو الذي يقوم بإدارة شئون جميع الناس على الأرض وإدارة شئون جميع الحيوانات والنباتات، ويتكفل بتوزيع الأرزاق عليهم وإمدادهم بما يحتاجونه، وكل الناس يعملون عند الله، وهذا العمل يشمل كل شيء وليس فقط العمل لكسب المال، فالإنسان يعيش حياته كلها كموظف وظيفته أنه عبد لله، ورؤساء الدول والمحافظين ومديري الشركات والمؤسسات وكل إنسان مسئول هو في حقيقته موظف عند الله وظيفته المطلوبة منه هو أنه عبد لله، فلا يجب أن يكون للإنسان هدف آخر غير أنه عبد لله: (( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ(56) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (57) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ )) [1] ، فالعمل لكسب الرزق ليس هدفه وإنما هو عبادة مطلوب منه القيام بها، فليس يعمل حبا في المال ولجلب المال ولكن تنفيذ لأمر من أوامر الله.
ـ ولكن هناك من يعي ذلك وهناك من ينسى ذلك ويظن أنه يعمل تحت سلطة البشر الذين يديرون الشركات والهيئات والبلاد، فوجود قيادات من البشر هو وجود مجازي فقط، فكما أن الله هو المالك وحده فهو وحده المدبر المتصرف في الأمور الذي يدير أمور الكون كله، وليس أحد بيده شيء والأمر كله بيد الله تعالى هو الذي يعطي ويمنع، إذن فالعاقل يعيش وهو يعلم أنه يعيش في أرض الله تحت سلطة الله وليس لأحد سلطة فوقه غير الله سبحانه، لذلك عندما يحتاج الإنسان أمرا يطلبه من المدبر الحقيقي لأمر كل الشركات والبلاد، وهذا لا يمنع من الأخذ بالأسباب.
(1) الذاريات: 56 - 58