ـ قوة الملائكة مرعبة فما بالك بقوة الخالق:
ـ هناك عالم آخر هائل من الملائكة التي تعيش معنا على الأرض، وهم يروننا ونحن لا نراهم، والناس يعيشون هادئين تماما لأنهم معزولون عن رؤية الملائكة، والملائكة ممنوعة من أن تتعرض للناس فتفتك بهم وتهلكهم إلا إذا أمر الله، ولو رأى الناس الملائكة وهي حولهم وتعيش معهم لصعقوا جميعا من هول المنظر وضخامة أجسامهم وقوتهم الهائلة، فالذي يعيش هادئا وحوله كل هذا الخطر هو لا يعقل، أما العاقل فيشعر بخوف المهابة من عظمة الملائكة، ويشعر بخوف أشد وأعظم من مهابة الذي له القدرة والقوة على إيجاد هذه المخلوقات الهائلة.
ـ ربما تسمع أساطير عن إنسان رأى عفاريت وأشباح أو أن مكانا معينا مسكونا بالعفاريت، هذه أمور مرعبة، فالملائكة والجن من حولنا الآن أشد رعبا من هذه العفاريت فضلا عن أنها حقيقة، فأي عاقل يوقن يقينا حقيقيا بأنه يعيش وحوله كائنات أكثر رعبا من العفاريت ثم لا يشعر بالقلق والخوف من مهابتها، وأي عاقل يوقن يقينا حقيقيا بأنه سوف يرى هذه الملائكة ويرى الأهوال ثم لا يشعر بالقلق والخوف من مهابة الأمر.
ـ قوة الملائكة هائلة جدا وأعظم من قوة البشر أجمعين، وأعظم من قوة الجن بكثير، ولهذا لما قال عفريت من الجن لسليمان: {أَنَا آتِيكَ بِهِ} [النمل:39] أي: بعرش بلقيس {قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ * قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ} [النمل:39 - 40] بعد ذلك رآه مستقرًا عنده، قال العلماء: لأن هذا الرجل دعا الله فحَمَلَتْه الملائكة، فجاءت به إلى سليمان في الشام من اليمن، وهذا أمر لا يمكن أن يتصوره إنسان.
ـ وفي الحديث: (( إنما ذلك جبريل ما رأيته في الصورة التي خلق فيها غير هاتين المرتين رأيته منهبطا من السماء سادا عظم خلقه ما بين السماء والأرض ) ) [1] .
ـ اليقين الحقيقي بالملائكة يعني الشعور بمدى قوتها وبالتالي الشعور بمدى قوة الخالق التي هي أعظم، وبالتالي الخضوع للخالق، والإنسان يتناسى حقيقة اليقين بالملائكة حتى يهرب من الخضوع.
ـ التخفي وراء الحجج المصطنعة:
ـ رغم أن الله سبحانه أعطانا الأدلة على وجود الملائكة من خلال دعوة الرسل وما أتوا به من المعجزات كإعجاز القرآن والسنة، فالإنسان يتخفى وراء حجة أنه لا يرى الملائكة، ولو رأى الملائكة لقال أنها سحر، فهو يتهرب رغم اليقين النظري بوجود الملائكة، ففي تفسير البحر المحيط: (( {وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ(14) لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ} [الحجر: 14، 15] .. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي فَظَلُّوا يَعُودُ عَلَى الْمَلَائِكَةِ لِقَوْلِهِمْ: {لَوْ مَا تَاتِينا بِالْمَلائِكَةِ} أَيْ: وَلَوْ رَأَوُا الْمَلَائِكَةَ تَصْعَدُ وَتَنْصَرِفُ فِي بَابٍ مَفْتُوحٍ فِي السَّمَاءِ لَمَا آمَنُوا. )) [2] ، (( وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ ) ) [3] .
ـ الفرق بين اليقين النظري واليقين الحقيقي بوجود الملائكة والجن معنا:
ـ إذا نظر الإنسان حوله فإنه يتصور وجود ملكين ملازمان له في كل وقت ويتصور وجود الشياطين والملائكة من حوله، وإذا نظر إلى أعلى أيضا يتصور وجود ملائكة تصعد وتهبط من السماء ووجود ملائكة تملأ السماء فما من موضع أربع إصابع إلا وعليه ملك ففي الحديث: (( إني أرى ما لا ترون وأسمع ما لا تسمعون أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع قدم إلا ملك واضع جبهته ساجدا لله، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا وما تلذذتم بالنساء على
(1) تحقيق الألباني: صحيح (انظر حديث رقم: 2362 في صحيح الجامع)
(2) البحر المحيط في التفسير ـ دار الفكر - بيروت (6/ 470)
(3) الأنعام: 111