فهرس الكتاب

الصفحة 183 من 249

الفرش ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله، والله لوددت أني شجرة تعضد )) [1] وذلك لأنه منظر مخيف جدا ومرعب أن ترى ملائكة فوقك تملأ السماء، فلابد أن تشعر بخوف المهابة من وجود الملائكة والجن حولك.

ـ فلابد أن يشعر الإنسان بأن وجود الجن والملائكة حقيقة واقعة حوله الآن في هذه اللحظة وفي كل وقت، ولا يمكن لإنسان عاقل أن تغيب صورة هذه الملائكة والشياطين وهي تعيش معه وتلازمه عن ذهنه أبدا.

ـ إن كل إنسان على اقتناع نظري تام بأن هناك رقيب وعتيد يسيران معه في كل لحظة لا يفارقانه، فهل عنده شعور بأنه مراقب وأن ما قاله وفعله منذ قليل تم تسجيله، وهل يشعر بما سيكتبوه في صحيفته الآن وبعد قليل، فإذا لم يشعر بشيء من ذلك في حياته فهذا يعني أن الرقيب والعتيد غير موجودان في مشاعره، فالإنسان عندما يتصور أنه مراقب في كل لحظة وأن هناك من يعدون عليه كلماته وكل حركاته يأخذه خوف المهابة، كما أنه عندما يتصور أن اثنين يسيران معه ليسوا من البشر بل أقوى بكثير وفوق ذلك أنهما لهما القدرة على إخفاء نفسهما بحيث لا يراهما أحد، ولهما قدرة هائلة أعظم من كل قدرات البشر، فهذا يؤدي إلى خوف المهابة من الملكين الرقيب والعتيد بسبب مدى قدرتهما وبسبب خطورة أمر تسجيلهما لكل شيء.

ـ تصور لو أن هناك كاميرات مراقبة موضوعة لك في كل مكان في بيتك وفي الشارع تسجل كل شيء عنك، فهذا يؤدي إلى الخوف الشديد من مهابة الأمر وخطورته، فوجود الملكين الرقيب والعتيد أخطر من ذلك.

ـ وكيف تكون حياة الناس لو أن الله جعل الناس يرون الرقيب والعتيد وهما يسيران مع كل واحد في كل لحظة؟!، وهل رؤية الناس لهم تغير من حقيقة وجودهم معنا شيء؟، ولكن المشاعر تكذب بوجود شيء اسمه الملائكة رغم وجود الاقتناع النظري التام بوجودها، وماذا أيضا لو أن الله كشف الحجب فرأي الناس الله وهم في الدنيا، وهل هذا يغير من حقيقة وجود الله معنا في كل لحظة ويراقبنا ويري ما يخطر في بالنا شيء؟ ولكن المشاعر تكذب بوجود الله رغم وجود الاقتناع النظري التام بوجوده.

ـ تصور لو أن الناس ترى الملائكة حولها وفي الطرقات لصعق الناس جميعا وماتوا من هول ما يشاهدونه، ففي تفسير الخازن: (( ولو جعلناه ملكًا لجعلناه رجلًا، يعني ولو أرسلنا إليهم ملكًا لجعلناه في صورة رجل وذلك أن البشر لا يستطيعون أن ينظروا إلى الملائكة في صورهم التي خلقوا عليها، ولو نظر إلى الملك ناظر لصعق عند رؤيته، ولذلك كانت الملائكة تأتي الأنبياء في صورة الأنس كما جاء جبريل إلى النبي(صلى الله عليه وسلم) في صورة دحية الكلبي وكما جاء الملكان إلى داود عليه السلام في صورة رجلين، وكذلك أتى الملائكة إلى إبراهيم ولوط عليهما السلام، ولما رأى النبي (صلى الله عليه وسلم) جبريل في صورته التي خلق عليها صعق لذلك وغشي عليه )) [2] ، وفي تفسير القرطبي: (((ولو أنزلنا ملكا لقضى الأمر) قال ابن عباس: لو رأوا الملك على صورته لماتوا إذ لا يطيقون رؤيته )) [3] ، وفي تفسير الثعالبي: (( لماتوا من هول رؤية الملك في صورته ) ) [4] ، وفي تفسير روح المعاني: (( ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر أي أمر هلاكهم لعدم قدرتهم على تحمل مشاهدته ) ) [5] ، أي يموت الإنسان من شدة الرعب والفزع من رؤية هذه المخلوقات المرعبة جدا الهائلة في ضخامة خلقتها.

ـ لو قيل لرجل إن الشقة التي تسكنها هي شقة مسكونة، تسكنها الأشباح والأرواح، بماذا يشعر؟، إنه يشعر بالخوف والرعب، وإذا كان مضطرا للبقاء في هذه الشقة فكيف يعيش حياته وهو مقتنع ومصدق بأن هذه الأشباح والأرواح تعيش معه في شقته؟، إن وجود الملائكة أعظم وأعجب وأغرب من ذلك وهي تعيش معك الآن، فإذا كنت تدعي أنك تشعر بوجود الملائكة فلماذا لا تشعر بنفس هذا الشعور لهذا الرجل؟، إن البشر ليسوا هم فقط سكان هذه الأرض، ولكن تعيش معهم كائنات هائلة لا نراها هي الملائكة، بل إنه لكل إنسان اثنان رقيب وعتيد يسيران معه في كل لحظة لا يفارقانه، وهذا يعني شعور بمراقبة واصطحاب هذين الملكين لك في كل لحظة، يا ترى ماذا كتبوا لك في صحيفتك بالأمس؟، إن كل خطوة خطوتها وكل كلمة قلتها بالأمس تم نسخها وتسجيلها: (( هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا

(1) التخريج: حسن (صحيح الترغيب والترهيب ج: 3، برقم: 3380)

(2) تفسير الخازن ـ دار الكتب العلمية - بيروت (2/ 120)

(3) تفسير القرطبي ـ دار الكتب المصرية - القاهرة (6/ 393)

(4) تفسير الثعالبي ـ دار إحياء التراث العربي - بيروت (ج: 21، ص: 447)

(5) تفسير روح المعاني ـ دار الكتب العلمية - بيروت (ج: 7، ص: 107)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت