فهرس الكتاب

الصفحة 184 من 249

نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ )) [1] ، وبماذا تعد نفسك ليكتبوه في صحيفتك هذه الليلة؟، فإذا لم تشعر بشيء من ذلك فهذا يعني أن الرقيب والعتيد غير موجودان في مشاعرك.

ـ يدور في خيال بعض الناس أن هناك كائنات فضائية علي كوكب آخر وصلت لتكنولوجيا هائلة وتأتينا إلى الأرض، ماذا لو كان هذا حقيقة؟، وماذا لو تصورنا أن هناك كائنات فضائية غير مرئية نزلت على الأرض وهي تسير بيننا ومعنا ونحن لا نراها؟، ألا نشعر أن هناك كائنات حقيقية أعظم وأعجب من هذا وهي حولك الآن من الملائكة والجن فلماذا لا تشعر بالخوف؟ إنك أنت الآن يتم تسجيل ما تقرأه في هذا الكتاب، ألا يدعو ذلك لحدوث مشاعر، لو أن إنسان يسير ومعه اثنان ملازمان له في كل لحظة من حياته مهمتهما مراقبته وتسجيل كل شيء عنه وهما في حالة اختفاء فلا تراهما، فهل يمكن أن ينساهما أو لا يؤثر ذلك في مشاعره شيئا؟، إن معك رقيب وعتيد ليسوا من البشر ولكن من خلق آخر هائل الخلقة لا تراهما، ألا يدعوا ذلك إلى أي شيء من الإحساس أو الشعور بالقلق، ولو أراد الله أن تزول الموانع من رؤية الملائكة لرأي الناس كلهم الملائكة وهي تسير حولنا ومعنا في الطرقات الآن، وعلي المرء أن يتصور ويشعر بأن هذه الموانع غير موجودة فيشعر أنه يري الملائكة، وبغير هذه المعرفة الحقيقية لا تستطيع أن تشعر أن الملائكة موجودة وتراك وتسمعك ولا تستطيع أن تشعر بصفات الملائكة وخلقتهم الهائلة، فإنك عندما تسير في الطريق لماذا لا تشعر أنهما يسيران معك؟ أليس هذا حق؟، فبماذا تشعر تجاه الملائكة وهي تراك الآن وأنت لا تراها؟، إن هذا تصور بسيط جدا، وهذا واقع الآن وليس من الغيبيات المستقبلية، ولكنك تجد هذا الكلام مستغربا رغم أنه الواقع، وإذا لم تشعر بالملائكة الموجودة الآن معك فكيف تشعر بما هو أبعد من ذلك بالآخرة التي لم تقع بعد والتي هي أعجب وأغرب وأخطر.

ـ أيهما أصعب الشعور بوجود الملائكة وهي حولك، أم الشعور بوجود الله؟، طبعا الشعور بوجود الله أصعب، فإننا لو رأينا الملائكة لصعقنا من خوف المهابة، ولو رأينا الله لصعقنا من خوف المهابة، ولكن خوف المهابة من الله أعظم بكثير لأنه هو الذي خلق الملائكة، فإذا لم تكن تشعر بوجود الملائكة وهي حولك، فهذا يعني أنك لا تشعر بوجود الله، كما أن الشعور بمراقبة الملكين لك أسهل من الشعور بمراقبة الله لك، فإذا لم تكن تشعر بمراقبة الملكين لك، فهذا يعني أنك لا تشعر بمراقبة الله لك.

ـ تصور لو قيل أن القيامة تقوم الآن أو هذه الليلة، وتخيل حالة الرعب والفزع والاستعداد السريع والتأهب، وتصور لو قيل لك أنك ستموت الآن أو الليلة، وتخيل الشعور بفراق كل شيء في الدنيا والشعور بالفزع والرعب، وتصور لو رأى الناس الملائكة عيانا لتكدرت حياتهم ولتركوا متع النساء ولخرجوا إلى الصعدات يجأرون إلى الله ففي الحديث: (( إني أرى ما لا ترون وأسمع ما لا تسمعون أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجدا لله والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا وما تلذذتم بالنساء على الفرش ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله ) ) [2] ، هنا تعرف حجم الفارق الكبير بين مجرد اليقين النظري بوجود الملائكة معنا واليقين الحقيقي بذلك.

ـ إنك مهما حاولت التغافل والهروب عن هذه الحقيقة فأنت مراقب شعرت بذلك أم لم تشعر، فيجب عليك أن توقن بذلك يقينا حقيقيا، فالقضية خطيرة ولكننا في غفلة.

ـ لقد صنع الله مخلوقات من النار ومخلوقات من النور ومخلوقات من الطين هم الجن والملائكة والإنسان، وأنت واحد من هذه المخلوقات، فلابد أن يشعر الإنسان أنه ليس وحده في هذا الكون بل هو مخلوق ضعيف بين هذه الكائنات الهائلة، ولابد أن يشعر الإنسان بمدى قدرة الله على إيجاد مخلوقات مختلفة عن بعضها تماما، فيشعر أنه ضعيف وأن الله هو القوي ويعترف بضعفه، ويشعر بمدي قوة الله.

ـ لماذا تخاف الملائكة من الله؟، إنها تخاف من هيبة الله تعالى: (( وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ ) ) [3] ، وكيف أن هذا الخوف يؤدي بهم إلى عمل دائم هو أنهم يسبحون الله تعالي، وفي الحديث: (( مررت ليلة أسري بي بالملأ

(1) الجاثية: 29

(2) قال الشيخ الألباني: حسن (جامع الترمذي ج: 4، ص: 556، برقم 2312)

(3) الرعد: من الآية 13

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت