ـ الشعور بوجود الله له معنيان هما:
1 ـ الشعور بأنك ترى الله، وهذا هو الإحسان وهو أعلى مراتب الدين، لذلك قال عامر بن عبد القيس رحمه الله: (( لو كُشِف الغطاء ما ازددت يقينًا ) ) [1] ، وقال آخر: (لو رأيت الجنة والنار ما ازددت يقينًا) .
2 ـ الشعور بأنك واقع تحت سلطان الله، فقدرة الله عليك وعلمه بك يسيران معك في كل مكان، وغياب هذا الشعور هو تغافل عن الله وغياب للإيمان، ونوضح هذا المعنى كالتالي:
ـ الشعور بأنك واقع تحت سلطان الله:
ـ قدرة الإنسان على الرؤية مرتبطة بالمسافة وبوجود حواجز، فهو لا يستطيع أن يرى أحد داخل حجرة وهو خارج الحجرة، ولكن الله يستطيع ذلك، وهو لا يستطيع أحدا على مسافة بعيدة جدا، لكن مع الله لا شيء اسمه مسافات فهو يرى كل شيء ورؤيته أقرب ما يكون للشيء.
ـ وكذلك قدرة الإنسان على السمع مرتبطة بالمسافة وبوجود حواجز، فهو لا يستطيع أن يسمع من بداخل الحجرة أو يسمعه بصورة ضعيفة، لكن الله يستطيع أن يسمع من بداخل الحجرة كأنه لا توجد حواجز ويسمعه بوضوع تام، وهو لا يستطيع أن يسمع من مسافة بعيدة، لكن مع الله لا شيء اسمه مسافات فهو يسمع كل شيء وسمعه أقرب ما يكون للشيء.
ـ كذلك قدرة الإنسان محدودة، فمثلا قدرته على أن يتعرض لأحد بأذى مرتبطة بالمسافة وبوجود حواجز، فهو لا يستطيع أن يتعرض لأحد بأذي موجود داخل الحجرة وهو خارج الحجرة، ولكن الله يستطيع أن ينفعه أو يضره بقوله كن فيكون رغم أن الإنسان موجود داخل الحجرة، وهو لا يستطيع يتعرض لأحد بأذى وهو بعيد عنه بمسافة كبيرة، لكن مع الله لا يوجد شيء اسمه مسافة فيستطيع أن ينفعه أو يضره بقوله كن فيكون.
ـ وكذلك قدرة الإنسان على السمع والبصر والعلم بما يحدث محدودة، ولكن الله يستطيع أن يسمع ويرى ويعلم كل ما يحدث وكل ما يعمله ملايين الخلائق وكل شيء في أن واحد، ويعلم دَبِيب النملة السَّوْدَاء على الصَّخْرَة الصماء فِي اللَّيْلَة الظلماء، فهذه قدرة هائلة جدا: (( وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ) ) [2] .
ـ قد يسأل سائل: هل وجود الخالق هو أمر مخيف ومذهل وخطير ومحير أم أنه أمر عادي؟، أي هل مسألة وجود الخالق تدعو للخوف والإعجاب وانشغال البال والتحير؟، والجواب: وهل هناك شيء بعد الله يدعو للخوف والإعجاب وانشغال الهم والتحير؟، إن وجود الخالق معناه وجود قدرة هائلة إلى حد مرعب ومخيف فهي قدرة أوجدت كل هذا الكون الهائل وهي قدرة تسيطر على الإنسان، فالإنسان يتحير من مدى هذه القدرة ويخاف من مهابتها، فهو كلما سار يمينا وشمالا لا يستطيع الخروج من قدرة الملك فهي قدرة تحكمه وتصله في أي مكان ولا يستطيع التخفي أو الهروب منها، فقدرة الله يمكن أن تناله في أي وقت وفي أي مكان فهو يعيش في حالة رعب تحت السيطرة الكاملة، فقدرة الله ورقابته مصاحبة للإنسان في كل لحظة.
ـ فاليقين الحقيقي بوجود الخالق معناه الشعور بوجود من له القوة والهيمنة والسيطرة على الإنسان والكون، وبالتالي يعيش في إطار أنه مقهور يعيش تحت سيطرة صاحب هذا الكون راضيا بأن عليه أن يعيش عيشة الذل والخضوع والاستسلام للجبار المتكبر، ولكن الإنسان يتصنع الهروب من سيطرة الملك.
(1) الرسالة القشيرية ـ دار المعارف، القاهرة (ج: 1، ص: 318)
(2) الأنعام: 59