ربهم من فوقهم؛ إذ هم محاطون بأفلاك أسرار الجبروت، مقهورون تحت القدرة والمشيئة )) [1] ، وفي تفسير الألوسي: (( {يخافون ربهم من فوقهم} لأنه القاهر المؤثر فيهم {ويفعلون ما يؤمرون} [النحل: 50] طوعًا وانقيادًا ) ) [2] ، (( وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ ) ) [3] ، وفي الحديث: (( مررت بجبريل ليلة أسري بي بالملإ الأعلى وهو كالحلس [4] البالي من خشية الله عز وجل ) ) [5] .
ـ وفي تفسير الوسيط: (( {تَكَادُ السماوات يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ} .. {يَتَفَطَّرْنَ} أي: يتشققن، والضمير في قوله تعالى {مِن فَوْقِهِنَّ} يعود إلى السماوات، باعتبار أن كل سماء تنفطر فوق التى تليها، وهذا التفطر سببه الخشية من الله تعالى، الخوف من جلاله وعظمتنه فيكون المعنى: تكاد السماوات يتشققن مع عظمهن {مِن فَوْقِهِنَّ} أي: من أعلاهن، خشية ورهبة من عظمته عز وجل، كما قال تعالى: {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض مِن دَآبَّةٍ والملائكة وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} ) ) [6] .
ـ ويقول تعالى: (( لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ) ) [7] .
3 ـ خوف المهابة من سماع كلام الله وأوامره:
ـ جاء في فتح القدير: (( {وهم من خشيته مشفقون} فإذا أذن لهم في الشفاعة فزعوا لما يقترن بتلك الحالة من الأمر الهائل .... وقيل هذا الفزع يكون للملائكة في كل أمر يأمر به الرب ) ) [8] ، وفي تفسير القرطبي: (("وهم من خشيته مشفقون" [الأنبياء: 28] والمعنى: أنه إذا أذن لهم في الشفاعة وورد عليهم كلام الله فزعوا، لما يقترن بتلك الحال من الأمر الهائل والخوف أن يقع في تنفيذ ما أذن لهم فيه تقصير ) ) [9] ، وفي تفسير الطبري: (( ينزل الأمر من عند رب العزة إلى السماء الدنيا؛ فيفزَع أهل السماء الدنيا، حتى يستبين لهم الأمر الذي نزل فيه، فيقول بعضهم لبعض: ماذا قال ربكم؟ فيقولون: قال الحق وهو العلي الكبير، فذلك قوله(حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ ... ) الآية )) [10] .
4 ـ خوف المهابة من رؤية الله تعالى:
ـ الإنسان إذا سمع بأذنه كلام الله له، أو إذا رأى الله سبحانه فإنه قد يصعق من شدة الخوف من هول المهابة والعظمة وشدة الأمر: (( فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ ) ) [11] ، وفي الحديث: (( حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه ) ) [12] .
ـ الإنسان في حياته قد يواجهه مشاكل حياتية كثيرة، عند كل مشكلة قد يغضب ويثور ويتضايق وينفعل، أما الآخرة عنده فليست بمشكلة رغم أنها الخطر المرتقب والامتحان العصيب والحياة الأبدية ورغم أن الدنيا أيام قليلة تفنى بمشاكلها، أما الذي يوقن يقينا حقيقيا بحجم الخطر في مشكلة الآخرة أمام ضآلة مشاكل الدنيا فتهون عليه مشاكل الدنيا وتنفعل مشاعره ويقلق ويغضب ويضطرب أمام مشكلة الآخرة.
ـ إن الطالب إذا دخل الامتحان فمن هول الموقف قد يتلعثم ولا يستطيع الإجابة، وبعض الناس إذا تعرض لصدمة شديدة فإنه قد يفقد الذاكرة، فنحن في الدنيا في حالة امتحان عصيب عليه رقيب وعتيد لكننا غافلون عنه.
(1) البحر المديد ـ الناشر: الدكتور حسن عباس زكي - القاهرة (ج: 3، ص: 269)
(2) تفسير الألوسي (ج: 10، ص: 193)
(3) الرعد: من الآية 13
(4) الحلس هو كساء رقيق يوضع على ظهر البعير تحت السرج
(5) السلسلة الصحيحة (2289)
(6) الوسيط لسيد طنطاوي ـ دار نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع، الفجالة - القاهرة (ج: 1، ص: 3753)
(7) الحشر: من الآية 21
(8) فتح القدير للشوكاني ـ دار ابن كثير- دمشق (ج: 4، ص: 461)
(9) تفسير القرطبي ـ دار الكتب المصرية - القاهرة (ج: 14، ص: 295)
(10) تفسير الطبري ـ مؤسسة الرسالة (ج: 20، ص: 397)
(11) الأعراف: من الآية 143
(12) تحقيق الألباني: صحيح (انظر حديث رقم: 1860 في صحيح الجامع)