ـ إذا لم يشعر بالخضوع فيقينه بأن الإنسان خاضع لقوة الله كاذبا، فمن شعر بأنه يعيش تحت قوة هائلة مسيطرة على كل حياة الإنسان فإنه يشعر بالخضوع والذل له ويعيش خائفا من مهابته خاضعا له منبرها ومحبا لمدى قوته الهائلة.
ـ العاقل يتعامل مع الأشياء على أنها آيات تدل على مدى قدرة الخالق:
ـ العاقل عندما ينظر إلى الأشياء تكون بالنسبة له آيات تدل على مدى قدرة الخالق، فهي آيات فقط في نظر من يعقل: (( إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ) ) [1] ، (( أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ ) ) [2] .
ـ لكن الذي لا يعقل ما يراه فما فائدة أن يرى الأشياء من حوله وهو لا يعقل حقيقة هذه الأشياء وسر وجودها ويتناسى القوة الخفية وراء الأشياء فكأنه أعمى لا يرى.
ـ الاستخدام الخاطئ للعقل:
ـ العقل بطبيعته يفكر في الأمر الخطير، ولا يوجد شيء أخطر من أن يعرف الإنسان من الذي صنع كل هذه الأشياء والكائنات؟، من هذا الصانع الذي له كل هذه القدرة الهائلة على صناعة كل هذا الكون وكل هذه الكائنات والذي عنده كل هذا العلم والإبداع والدقة في كل شيء والذي عنده السيطرة الهائلة على التحكم في كل هذا الكون والكائنات وأنت واقع تحت سيطرته ومراقبته وتحكمه وسمعه وبصره، وأنت جزء من ممتلكاته؟، هل يوجد شيء أخطر من هذا؟، هل يمكن أن ينشغل الإنسان بنفسه وعمله وأموره عن هذا؟، هل يمكن ألا يصاب الإنسان بالرعب والفزع والقلق والخوف وهو يعيش تحت هذه السيطرة الكاملة لا يستطيع الهروب منها ولا يستطيع أن يفعل شيئا من غير مراقبة وسماع ما يفعله من حركة أو سكنة، هل يمكن ألا يعجب الإنسان بكل هذه القدرات الخارقة فيحب الخالق، وهل يمكن ألا يعترف الإنسان بضعفه فيستسلم ويعلن خضوعه للخالق.
ـ المطلوب أن يسأل الإنسان نفسه عن حقائق الأشياء من حوله كيف وجدت ولماذا وجدت ومن أوجدها ومن الذي أوجد الإنسان وما الهدف من ذلك؟ وماذا عليه أن يفعل؟ ولماذا يعيش وما الهدف من حياته ولماذا يأكل ويشرب؟ وليس المطلوب المعرفة النظرية على هذه الأسئلة فهي معروفة ولكن يستشعر خطورة هذه المعرفة وما تدل عليه.
ـ السبب في أن الله خلق كل هذه السماوات الهائلة والأرض وأنزل الوحي من السماء إلى الأرض هو أن نعلم مدى قدرته الهائلة جدا ومدى علمه الهائل جدا فنخضع لقدرته وعلمه الهائل: (( اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأمر بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا ) ) [3] .
ـ وفي صفوة التفاسير: (( {وهو الذي أنشأ لكم السمع والأبصار والأفئدة} أي خلق لكم هذه الحواس لتسمعوا وتبصروا وتفقهوا، وفيه توبيخ للمشركين حيث لم يصرفوا النعم في مصارفها، لأن السمع خلق ليسمع به الإنسان ما يرشده، والبصر ليشاهد به الآيات الكونية في الآفاق، والعقل ليتأمل به في مصنوعات الله وباهر قدرته، فمن لم يصرف تلك النعم في مصارفها، فهو بمنزلة فاقدِها، كما قال تعالى: {فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء} ) ) [4] .
ـ وفي تفسير الخازن: (( {وَجَعَلْنا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصارًا وَأَفْئِدَةً} يعني إنا أعطيناهم هذه الحواس ليستعملوها فيما ينفعهم في أمر الدين فما استعملوها إلا في طلب الدنيا ولذاتها فلا جرم فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ ) ) [5] .
(1) آل عمران: 190
(2) السجدة: 26
(3) الطلاق: 12
(4) صفوة التفاسير ـ دار الصابوني - القاهرة (2/ 239)
(5) تفسير الخازن ـ دار الكتب العلمية - بيروت (4/ 134)