فهرس الكتاب

الصفحة 136 من 249

ـ الإنسان يشعر بالانتماء إلى القومية أو الحضارة أو التكنولوجيا أو المال أو الشهوات أو الكورة .... الخ، وذلك لأن الشيطان يزين للإنسان أن هذه الأمور ذات قيمة كبيرة في حين أنها ذات قيمة صغيرة، كما يجعل الإنسان يتناسى قدر الله.

ـ فالعزة معناها الفرح، فهناك من يفرح بالمال إذا زين له الشيطان أن فوائد المال عظيمة: (( إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ ) ) [1] ، وهناك من يفرح بالله عندما يشعر بفضله وبرحمته: (( قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ) ) [2] .

ـ فالعزة بالله من أهم موجبات حب الله تعالى، فالإنسان بفطرته يحب أن يكون فيه صفات الكمال والجمال فإذا لم تكن فيه أحب الانتماء إلى من له هذه الصفات فيعتز ويفرح بانتمائه إليه ولأنه يرى قوة القوى قوة له ولأنه يستمد منه العزة والقوة.

ـ الضعيف يحتمي بالقوى ويعتبر ذلك قوة له ضد غيره ممن لا يحتمي بهذا القوى، فإذا أراد أن يعتدي عليه أحد لجأ إلى القوى الذي يحتمي به لينصره عليه، فهو يخضع للقوى ويخاف من مهابته ويحبه في نفس الوقت.

ـ أما الذي يرى نفسه قويا فهو لا يحتاج إلى أحد فهو لا يخضع لأحد، فإذا لم يتحقق في نفسه الشعور بالخضوع لله فهو بذلك يرفض الخضوع رغم وجود اليقين النظري التام بأنه عبد خاضع لله تعالى: (( وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ) ) [3] .

ـ لو أن رجل يقوم ببناء بيت له وقد أتم بناء الحوائط والسقف ولكن ليس في البيت كهرباء ولا ماء ولا مفروشات، ودخل بيته ذات مره فوجد البيت فيه كهرباء وماء ورأى منضدة كبيرة في الصالة موضوع عليها طعام وشراب ووجد سرير موضوع في حجرة النوم ووجد كرة موضوعة في البيت، فإذا به يأكل من الطعام ويلعب الكرة وينام على السرير دون أن يسأل من أحضر كل هذه الأشياء ومن أدخل الكهرباء والماء إلى المنزل ولم يشعر بأي تعجب أو ذهول أو غرابة وكأن كل شيء عادى، وكل شيء موجود لأنه موجود كما هو، وظل على ذلك سنوات عمره كل يوم إذا دخل بيته يجد الطعام موضوع فيأكل ويلعب وينام، فهذا حال الإنسان الذي لا يعقل.

ـ وإذا كان هذا الرجل عاقلا ورأى ذلك فإنه يفاجئ ويندهش ويشعر بالرهبة من غرابة الأمر ويشعر بالحب لمن أحضر هذا.

ـ إن الله ينبت الزروع من الأرض ليأكل الإنسان كأنها منضدة أعدت ليوضع عليها الطعام للإنسان، والأنهار تحمل المياه العذبة له، والشمس والقمر والنجوم تضيء له نهارا وليلا، والإنسان خرج من بطن أمه وكبر وعاش سنوات عمره كأن كل هذه الأشياء أمور عادية هو الذي وضعها لنفسه، كأنه هو الذي جعل الأرض تنبت وصمم نظام السحاب بحيث يتجمع الماء العذب في الأنهار وجعل نظام إضاءة فصنع الشمس والقمر حتى لا يعيش في الظلام!، أو كأن الزرع يخرج من تلقاء نفسه ليفيد الإنسان، وكأن الماء والهواء هو الذي أوجد نفسه ويفيد الإنسان من تلقاء نفسه، ففي تفسير روح المعاني: (( {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ(35) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ} [الطور: 35، 36] ، {بَلْ لَا يُوقِنُونَ} أي إذا سئلوا من خلقكم وخلق السماوات والأرض قالوا: الله وهم غير موقنين بما قالوا إذ لو كانوا موقنين لما أعرضوا عن عبادته تعالى فإن من عرف خالقه وأيقن به امتثل أمره وانقاد له )) [4] .

(1) القصص: من الآية 76

(2) يونس: 58

(3) فصلت: من الآية 15

(4) روح المعاني ـ دار الكتب العلمية - بيروت (27/ 38)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت