فهرس الكتاب

الصفحة 135 من 249

وَمَا تَعْمَلُونَ: بِأَيْدِيكُمْ )) [1] أي الله خلقك وخلق ما تعمله أنت بيدك، فليس لك فضل في شيء، فالأمر كله لله والفضل كله لله تعالى، فلابد ألا ينسى الإنسان الحكمة التي تقول: (رحم الله إمرءا عرف قدر نفسه) .

ـ ورغم أن الإنسان مطالب بالأخذ بالأسباب إلا أنها لا تنفع ولا تضر، فمن ناحية أنها لا تنفع ولا تضر فهي لعب ولهو، لأن الشيء الذي لا ينفع ولا يضر هو لعب ولهو، ولكن الله أمر بها كنوع من الاختبار ليرى هل سيفرح الإنسان بها ويعتز بها فتجعله يغفل عن الله أم يعملها وهو يعلم أنها لهو ولعب لا تجلب رزقا ولا تقدم ولا تؤخر؟.

ـ وكذلك الشعور بالمهانة والذل بسبب الفقر أو عدم وجود المكانة الاجتماعية أو الشهادة العلمية ... الخ، فهو بذلك يرى العزة في هذه الأمور الدنيوية رغم أنه لا يملك شيئا منها، والتحسر عند ذكر أصحاب الثروات أو النفوذ أو الدنيا، ويرى في نفسه الأنفة والكبر عن أن يصاحب فقراء أو من هم أقل منه في المكانة الاجتماعية، ويتبرأ من الأصحاب الذين هم أقل من مستواه الدنيوي، ويشعر بالخزي والعار إذا كان له أقارب فقراء أو لا يملكون شيئا من حطام الدنيا، وهكذا، وفي تفسير ابن كثير: (( وقوله: {وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ} أي: ابتلينا واختبرنا وامتحنا بعضهم ببعض {لِيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا} وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان غالب من اتبعه في أول البعثة ضعفاء الناس من الرجال والنساء والعبيد والإماء، ولم يتبعه من الأشراف إلا قليل، كما قال قومُ نوح لنوح: {وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إلا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّايِ} الآية [هود: 27] ، وكما قال هرقل ملك الروم لأبي سفيان حين سأله عن تلك المسائل، فقال له: فهل اتبعه ضعفاء الناس أو أشرافهم؟ قال: بل ضعفاؤهم فقال: هم إتباع الرسل، والغرض: أن مشركي قريش كانوا يسخرون بمن آمن من ضعفائهم، ويعذبون من يقدرون عليه منهم، وكانوا يقولون: {أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا} ؟ أي: ما كان الله ليهدي هؤلاء إلى الخير - لو كان ما صاروا إليه خيرا - ويدعنا، كما قالوا: {لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إليه} [الأحقاف: 11] ، وكما قال تعالى: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا} [مريم: 73] ، قال الله تعالى في جواب ذلك: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا} [مريم: 74] ) ) [2] ، وفي تفسير ابن كثير أيضا: (( {فَقَالَ الْمَلأ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ} والملأ هم: السادة والكبراء من الكافرين منهم: {مَا نَرَاكَ إلا بَشَرًا مِثْلَنَا} أي: لست بملك، ولكنك بشر، فكيف أوحي إليك من دوننا؟ ثم ما نراك اتبعك إلا أراذلنا كالباعة والحاكة وأشباههم ولم يتبعك الأشراف ولا الرؤساء منا ) ) [3] .

ـ فمقياس القوة والضعف عند المؤمن هو مقدار ما عنده من إيمان بالله وانتساب إليه وليس بامتلاك أمور الدنيا، فالقوة والعزة والعلو عند المؤمن هي قدر الإيمان عنده، والكافر والمنافق ضعيف ذليل لأنه لا إيمان عنده: (( وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) ) [4] ، (( وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ) ) [5] ، (( مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا ) ) [6] ، فالمسلم يستمد العزة من العزيز ويستمد العلو من الأعلى، لذلك فالمؤمن ينظر إلى الكافر على أنه ضعيف مسكين وإن كان يمتلك كل الدنيا، كما ينظر إلى حاله في الآخرة فيراه مسكين قد أهلك نفسه.

ـ العزة نوعين إما عزة بالله أو عزة بالدنيا:

ـ من الناس من يفرح بأنه متدين لأنه يرى الدين أمر عظيم فيحبه ويحب أن ينسب نفسه له ويؤيده ويعتز بانتسابه له، فلا يرى الدين أعباء ولكن يراه خير له وكنز عظيم.

ـ ومن الناس من يفرح بأصحاب الثروات أو المناصب أو الشهوات أو يفرح بالثروات والمناصب والشهوات، لأن يرى أن هذه الأمور عظيمة القدر فيحبهم ويحب أن ينسب نفسه إليهم ويؤيدهم ويعتز بانتسابه لهم.

ـ سبب العزة بغير الله هو التزيين والغرور:

(1) تفسير الطبري [جامع البيان في تأويل القرآن] ـ مؤسسة الرسالة (21/ 70)

(2) تفسير ابن كثير دار طيبة للنشر والتوزيع (ج: 3، ص: 261)

(3) تفسير ابن كثير دار طيبة للنشر والتوزيع (ج: 4، ص: 316)

(4) آل عمران: 139

(5) المنافقون: 8

(6) فاطر: 10

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت