فهرس الكتاب

الصفحة 134 من 249

ـ الانتماء إلى الوطن أو القومية أو حضارة معينة كالفرعونية أو الجنس أو النسب أو العائلة أو المكانة الاجتماعية أو الشهادات العلمية والألقاب أو فريق كوره ... الخ بحيث يستمد الإنسان شرفه وعزه وفخره في هذه الأشياء وينسب نفسه إليها فذلك ذنب من الذنوب قد يصغر فيصبح صغيرة من صغائر الذنوب، وقد يكبر حتى يصبح ابتغاء للعزة في هذه الأشياء واتخاذهم آلهة ليكونوا لهم عزا، وذلك رغم اليقين التام بأن الله وحده هو العزيز وأنهم لا يجدون العزة إلا في الله ولكن كل ذلك يقين نظري وليس حقيقي.

ـ وكذلك من يعتز بما معه من مال، أي يفرح بما معه من مال، أي يحس في نفسه بالسعادة بما يمتلك من المال وذلك مثلما فعل قارون: (( إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ ) ) [1] ، وكذلك من يفرح في نفسه بما معه من الدنيا والشهوات أو بالابتلاءات التي تحدث لغيره من الناس، (( إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا ) ).

ـ وكذلك من يعتز بقوة جسمه أو بما عنده من علم وخبرة أو بجماله أو بمظهره أو بما يمتلك من حطام الدنيا الفانية أو بآباءه أو أقاربه بما عندهم من سلطان وجاه وبما لهم من صلاحيات وقدرات، وكذلك التشبه بممثلين أو مغنيين أو لاعبين اعتزازا بهم وتفاخرا بالانتماء إليهم الخ، فكل ذلك ذنوب تصغر لتصبح من صغائر الذنوب وقد تكبر لتصبح طلبا للعزة من غير الله.

ـ وكذلك من يعتز بعقله ورأيه فيرفض أن يٌخضع عقله لله تعالى وأوامره، فالإنسان عليه أن ينفذ أوامر الله حتى ولو لم يفهم ويدرك الحكمة منها لأن عقله قاصر وعلمه ناقص وعلم الله تام، والإنسان إذا أراد أن يعرف الحكمة فليس لذلك علاقة بتنفيذ الأمر أو عدم تنفيذه وإنما يتعرف على الحكمة إن استطاع ليزداد إيمانا.

ـ وكذلك الانتساب إلى الآخرين ومودتهم لما عندهم من أسباب القوة كالشهرة أو المال أو القدرة على الحرب أو الجاه أو السلطان كموالاة المشركين ومودتهم لما عندهم من قوة ابتغاء العزة بهم ونصرتهم.

ـ ولأن كل أسباب القوة من مال وجاه وسلطان ... الخ هي ملك لله فلا يحق لأحد أن يدعي العزة عنده أو عند غيره من الناس، فالعزة كلها لله لأن القوة كلها لله تعالى.

ـ وكذلك من يعتز بما اكتسبه من خبرة في عمله، أو بما اجتازه من نجاحات أو عقبات مرت به في حياته، أو من علم، فيشعر أن الفضل يرجع له، خاصة عندما تكون له كفاءات ليست عند غيره من الناس، ويشعر أن ما يتميز به عن غيره من الكثير من الناس أو بعضهم هو من كده وتعبه والفضل يرجع لذكائه مثلا أو لقدراته أو لخبرته، والمشكلة من ناحيتين هما أنه يضخم من حجم هذه الأمور الدنيوية البسيطة، وأنه يشعر بأن الفضل يرجع له، ويغتر بما عنده من قدرات، فينسى الإنسان قدره الحقيقي، وينسى ما كان عليه قبل أن يحقق هذه الأمور سواء من نجاحات أو اجتياز عقبات، وينسى أن ما في الدنيا من سعادة أو شقاء ليس بشيء لأن السعادة أو الشقاء إنما هي في الآخرة والدنيا زائلة بما فيها من سعادة أو شقاء، فلا يفرح الإنسان بشيء من الدنيا، فمشكلة قارون أنه كان يفرح ويعتز بما عنده من مال ويظن أنه من كسب يده وبفضله هو: (( إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآَتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ(76) وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخرة وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (77) قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي )) [2] ، فكل ما يعمله الإنسان أو يصنعه من تكنولوجيا مثلا أو يكتسبه من خبرة أو علم هو من الله ففي تفسير الطبري: (( وقوله {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل إبراهيم لقومه: والله خلقكم أيها القوم وما تعملون، وفي قوله {وَمَا تَعْمَلُونَ} وجهان: أحدهما: أن يكون قوله"ما"بمعنى المصدر، فيكون معنى الكلام حينئذ: والله خلقكم وعملكم، والآخر أن يكون بمعنى"الذي"، فيكون معنى الكلام عند ذلك: والله خلقكم والذي تعملونه: أي والذي تعملون منه الأصنام، وهو الخشب والنحاس والأشياء التي كانوا ينحتون منها أصنامهم، وهذا المعنى الثاني قصد إن شاء الله قتادةُ بقوله: الذي حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ

(1) القصص: من الآية 76

(2) القصص: 76 ـ 78

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت