ومعقبات وهن الباقيات الصالحات )) [1] وفي الحديث: (( الْجَنَّةُ أَقْرَبُ إلى أَحَدِكُمْ مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ، وَالنَّارُ مِثْلُ ذَلِكَ ) ) [2] ، وفي الحديث عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: (( مر علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نعالج خصا لنا فقال ما هذا؟، فقلنا: قد وَهَى فنحن نصلحه، قال: ما أرى الأمر إلا أعجل من ذلك ) ) [3] أي الآخرة قريبة ووشيكة حتى كأنه لا وقت للانشغال بشيء غيرها.
ـ وكان أبو الدرداء يقول: (( لو تعلمون ما أنتم لاقون بعد الموت، ما أكلتم طعامًا على شهوة، ولا شربتم شرابًا على شهوة أبدًا، ولا دخلتم بيتًا تستظلون به، ولخرجتم إلى الصعيد تضربون صدوركم وتبكون على أنفسكم، ولوددت أنى شجرة تعضد ثم تؤكل ) ) [4] ، وقال عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: (( ابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا فوالذي نفسي بيده لو يعلم العلم أحدكم لصرخ حتى ينقطع صوته وصلى حتى ينكسر صلبه ) ) [5] ، ورغم ذلك فلا يزال البعض يتغافلون عن الآخرة، فمتى تزول الغشاوة عن هذا الخطر القريب الخطير؟!.
ـ مهما أصابك من الملل أو الغضب أو الضجر ومهما ضعف إيمانك ومهما كانت أسباب انشغالك بالدنيا ومهما حدث فالآخرة واقع قادم والسفر لا اختيار فيه فهو إجباري رغما عن أنفك وموعد السفر قد تحدد وهو في وقت قريب جدا، وإذا جاء موعد السفر فلا رجعة سواء كنت مستعد للرحيل أم غير مستعد ولا انتظار ولو ثانية واحدة وانتهت القضية وقد اقفل دفتر حياتك: (( إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ(7) مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ )) [6] .
ـ فهل لديك شعور بأن هذا السفر هو سفر نهائي وأنه سفر بلا عوده؟!، وقد سبقك إليه الكثيرون والدور في انتظارك، والرحيل مفاجئ وفوري وبلا رجعة، فالقضية حاسمة وخطيرة ولا تحتمل التراخي ولكننا في غفلة، وغدا تنتهي الحياة فماذا أنت صانع؟، إنها ليست موعظة ورقائق ولكنها حقائق ومشاعر حقيقية في النفس، يتضح الآن أن عالم الغيب في نظرك ليس إلا اقتناع نظري وليس له وجود في مشاعرك، فمشاعرك تقول أننا لسنا في دار غربة ولسنا علي سفر، ومشاعرك تقول: (( إِنْ هِيَ إلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ ) ) [7] رغم أن الاقتناع النظري تام بالآخرة.
ـ إنك مهما حاولت التغافل والهروب عن الحقيقة والمصير القادم، فإنها أيام قصيرة وغدا اللقاء رضيت أم لم ترضي أعجبك الأمر أم لم يعجبك شعرت بذلك أم لم تشعر، ومهما كانت الظروف والأوضاع من الفقر أو الغنى، من الراحة أو التعب من طاعات أو معاصي، ومهما تبدلت الظروف والأوضاع فذلك لن يغير من حقائق الأمور شيء، وقد سبقك الكثير إلى هناك والدور في انتظارك قد أوشك فعلا وتكاد تصل، وهذا التغافل والتعامي لن يغير من حقائق الأمر شيء فالملكين من حولك والله ناظر إليك والآخرة أمامك سواء رضيت أم لم ترضى سواء أخذت تبرر لنفسك ما تفعل أم لم تأخذ، فالحقائق الغيبية التي نعيش فيها والتي في انتظارنا رهيبة ولكن أين مَنْ عنده مشاعر يحس بها: (( إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أو أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ) ) [8] ، فإنك تظن أنك تفر من الموت بأن تتغافل عن أن تشعر به وإن كنت مقتنعا به تماما وأنه ملاقيك، ففي الحديث: (( أتاني جبريل فقال يا محمد عش ما شئت فإنك ميت وأحبب من شئت فإنك مفارقه واعمل ما شئت فإنك مجزي به واعلم أن شرف المؤمن قيامه بالليل وعزه استغناؤه عن الناس ) ) [9] .
ـ الشعور بمدي الخطر في الآخرة:
(1) حديث حسن (صحيح الترغيب والترهيب ج: 2، برقم: 1567)
(2) تحقيق الألباني: صحيح (انظر حديث رقم: 3115 في صحيح الجامع)
(3) قال الشيخ الألباني: صحيح (جامع الترمذي ج: 4، ص: 568، برقم: 2335)
(4) تزكية النفوس ـ دار العقيدة للتراث - الإسكندرية (1/ 114)
(5) إحياء علوم الدين ـ دار المعرفة - بيروت (4/ 163)
(6) الطور: 7، 8
(7) المؤمنون: 37
(8) قّ: 37
(9) تحقيق الألباني: حسن (انظر حديث رقم: 73 في صحيح الجامع)