فهرس الكتاب

الصفحة 170 من 249

واللذة الهائلة، ولو أدرك الإنسان واحد على مليون من معنى ألم النار أو لذة الجنة لهانت عليه الدنيا بكل ما فيها من ألام ولذات.

ـ إن تصور لحظة واحدة من الحياة في القبر أو الحياة في الآخرة يجعل الإنسان ينسى الحياة الدنيا، وبالتالي فالعاقل هو الذي يتجه تفكيره واهتمامه وتصوره ومشاعره إلى الحياة في الآخرة وليس الدنيا.

ـ ورغم ذلك فطبيعة تفكير البعض ومشاعرهم تقول عكس ذلك تماما، فطبيعة تفكيرهم ومشاعرهم تقول أن الألم واللذة إنما هو الذي نعايشه في الدنيا ولا لذة أو ألم غير ذلك، وذلك رغم اليقين النظري التام بألم النار ولذات الجنة الهائلة لكن شعور الإنسان بهذا الخطر كأنه غير واقع.

ـ فلو أن رجلا عاد إلينا من الآخرة، ماذا يمكن أن يقوله؟، إن هذا الكتاب عبارة عن تصور لما يمكن أن يقوله ذلك الرجل، إنه سوف يجد الناس علي يقين واقتناع نظري تام بالله واليوم الآخر وكل ثوابت الدين، وربما عندهم تفاصيل قد أيقنوا بها أكثر منه هو، ورغم ذلك فالله والآخرة ليس لهما وجود في شعور البعض ومشاعرهم وهمومهم وأهدافهم، إنه سوف يَعجب من هذا الانفصام التام الذي يتمثل في وجود مسلمين يقرون بالغيبيات، ولكنهم علمانيين في شعورهم ومشاعرهم وهمومهم وأهدافهم حيث أن الغيبيات غائبة تماما من شعورهم ومشاعرهم وهمومهم وأهدافهم، فكيف يوقن الإنسان بالآخرة التي هي المستقبل والمصير ثم لا يشعر بخوف المهابة وخوف العقاب وكيف لا يشعر بالغربة وهو مسافر إليها؟!، وكيف يوقن الإنسان بالله الذي صنع بقدرته كل البشر والكون وهم مقهورون تحت قدرته ثم لا يشعر بخوف المهابة والحب إعجابا بقدرته والخضوع وخوف العقاب ورجاء الثواب؟!، ذلك لأن هذا اليقين نظري فقط.

ـ نحن نعيش في هروب وتجاهل للموت وهروب وتجاهل للآخرة وهروب وتجاهل وتغافل عن الله، وهذا الهروب وهذا التجاهل والتغافل لن يغير من حقائق الأمور شيء فالخطر قائم ونحن مقبلون عليه رضينا أم أبينا والأمر خطير وعظيم: (( قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ، أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ ) ) [1] ، إنك مهما حاولت التغافل والهروب عن الحقيقة والمصير القادم، فإنها أيام قصيرة وغدا اللقاء رضيت أم لم ترضي شعرت بذلك أم لم تشعر وقد سبقك الكثير إلى هناك، فكل الناس سوف يذهبون إلى الآخرة، فإذا لم يعجبك الأمر فامتنع عن الذهاب إلى الآخرة إن استطعت!، فيجب عليك أن توقن بالآخرة يقينا حقيقيا، فالقضية حاسمة وخطيرة ولا تحتمل التراخي ولكننا في غفلة، وغدا تنتهي الحياة فماذا أنت صانع؟!.

ـ نحن نعيش في غيبوبة مثل السُّكْرْان الذي لا يدري ما الذي ينتظره، ففي تفسير زاد المسير: (( ... {إنهم لفي سكرتهم يعمهون} ، وفي المراد بهذه السكرة قولان: أحدهما: أنها بمعنى الضلالة، قاله قتادة، والثاني: بمعنى الغفلة، قاله الأعمش ) ) [2] ، وفي تفسير فتح القدير: (( ومعنى {إنهم لَفِى سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ} : لفي غوايتهم يتحيرون، جعل الغواية لكونها تذهب بعقل صاحبها كما تذهب به الخمر سكرة ) ) [3] ، وفي تفسير التحرير والتنوير: (( (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ(1) مَا يَاتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إلا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ) (لاهية قلوبهم) حال من المبتدأ في جملة (وهم يلعبون) وهي احتراس لجملة (استمعوه) أي استماعا لا وعي معه )) [4] .

ـ الإنسان لا ينكر وجود الآخرة، لكنه قد يتجاهل ما بها من ألم وخطر وأهمية فتصبح كأنها لا قيمة لها، فهي عندئذ غير موجودة في شعوره، وهو بذلك قد أفرغ الكلمة من محتواها، مثل الطفل الذي في يده أسد مصنوع من البلاستيك فهو يلعب به رغم أنه يوقن تماما أنه أسد لكنه مسلوب القوة.

ـ وكل إنسان حر له أن يفعل ما يشاء، فإما أن يتجاهل الآخرة وذلك بتجاهل ما بها من ألم، وإما أن يعترف بذلك في نفسه فيشعر بما في الآخرة من ألم وخطر، ولكن تجاهل الإنسان للآخرة وألمها لن يغير من حقائق الأمور شيء، فالآخرة قادمة وشيكة والألم شديد والموت قادم، فهو عندئذ مثل النعامة التي تضع رأسها في التراب حتى لا يراها الأعداء، أي كأنها تقول لنفسها أنه طالما أنها لا ترى الأعداء إذن فهم غير موجودون ولا أحد يطاردها!.

ـ لا يصح اليقين بالآخرة بغير وجود خوف حقيقي من مهابة الآخرة، لأن عدم الخوف من الآخرة دليل على غياب الشعور بحقيقة الآخرة بدليل ما جاء في تفسير ابن كثير: (( وقوله {إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا} أي: إنما بعثتك لتنذر الناس وتحذرهم من بأس الله وعذابه، فمن خشي الله وخاف مقامه ووعيده، اتبعك فأفلح وأنجح ) ) [5] ، وفي تفسير زاد المسير: (( {إنما أنت منذر من يخشاها} وقرأ أبو جعفر «منذر ٌ» بالتنوين، ومعنى الكلام: إنما أنت مُخَوِّفٌ من يخافها، والمعنى: إنما ينفع إنذارك من يخافها ) ) [6] .

ـ الآخرة هي الحقيقة الكبرى المرعبة: (( يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ) ) [7] ، وقد سبقنا إليها الكثير والدور علينا، ورغم ذلك فإن مشاعر الناس تجاه الآخرة وأمور الدين فاترة باردة، في حين تتفاعل مشاعرهم وانفعالاتهم تجاه أمور الدنيا الفانية، فالآخرة أمر جاد جدا وخطير جدا ولا يحتمل التراخي، ونحن نتعامل معه بلا مبالاة وفتور شديد بغير جدية وإدراك لخطورته، هذا معناه أن هناك غفلة تامة عن الخطر العظيم الذي نحن مقبلون عليه، إن الآخرة هي خطر عظيم جدا نحن مقبلون عليه حتما بعد وقت ضئيل جدا يمر سريعا دون أن ندري، إن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جاء إلى الناس لينذرهم ويحذرهم، ويمكن تشبيه ذلك بأن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جاء إلى الناس ليحذرهم من أن هناك خطر عظيم سوف يجتاحهم، هذا الخطر هو جيش جرار جاء ليقضي عليهم، فكان طائفة منهم عندهم لا مبالاة ولم يتأثروا ولم ينتبهوا لخطورة الأمر ولم يشعروا بالخوف والرعب، ومن أثر ذلك أنهم لم يتحركوا من مكانهم ولم يهربوا وكأن شيئا لم يكن وكأنهم لم يسمعوا وكأنهم كالحائط الذي لا يحس، وبقوا مكانهم منشغلين بحياتهم وطعامهم وشرابهم، فهؤلاء جاء الجيش إليهم فقضى عليهم، وطائفة أخرى تحركت مشاعرهم وشعروا بالخوف ولاذوا بالفرار فنجو من الجيش، وهذا المثل هو ما أوضحه الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ففي الحديث: (( إنما مثلي ومثل ما بعثني الله به كمثل رجل أتى قوما فقال يا قوم إني رأيت الجيش بعيني وإني أنا النذير العريان فالنجاء النجاء فأطاعه طائفة من قومه فأدلجوا فانطلقوا على مهلهم فنجوا وكذبت طائفة منهم فأصبحوا مكانهم فصبحهم الجيش فأهلكهم واجتاحهم فذلك مثل من أطاعني فاتبع ما جئت به ومثل من عصاني وكذب بما جئت به من الحق ) ) [8] ، وكان الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا خطب على المنبر فذكر الآخرة تحركت مشاعره وانفعل بشدة ففي الحديث: (( وكان إذا ذكر الساعة احمرت وجنتاه وعلا صوته واشتد غضبه كأنه نذير جيش يقول صبحكم مساكم ) ) [9] ، فقد جاء الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى الناس ليقول لهم (أيها الناس: أنقذوا أنفسكم من النار!!) وهذا ما جاء في الحديث: (( لما نزلت {وأنذر عشيرتك الأقربين} جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشا فخص وعم فقال يا معشر قريش أنقذوا أنفسكم من النار فإني لا أملك لكم من الله ضرا ولا نفعا، يا معشر بني عبد مناف أنقذوا أنفسكم من النار فإني لا أملك لكم من الله ضرا ولا نفعا، يا معشر بني قصي أنقذوا أنفسكم من النار فإني لا أملك لكم ضرا ولا نفعا، يا معشر بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار فإني لا أملك لكم ضرا ولا نفعا، يا فاطمة بنت محمد أنقذي نفسك من النار فإني لا أملك لك ضرا ولا نفعا، إن لك رحما سأبلها ببلالها ) ) [10] ، وفي حديث آخر: (( مثلي كمثل رجل استوقد نارا فلما أضاءت ما حولها جعل الفراش وهذه الدواب التي يقعن في النار يقعن فيها وجعل يحجزهن ويغلبنه فيقتحمن فيها فذلك مثلي ومثلكم، أنا آخذ بحجزكم عن النار هلم عن النار هلم عن النار فتغلبوني فتقتحمون فيها ) ) [11] ، وعن ابن عباس قال: لما نزلت (وأنذر عشيرتك الأقربين) صعد النبي صلى الله عليه وسلم الصفا فجعل ينادي: (( يا بني فهر يا بني عدي لبطون قريش حتى اجتمعوا فقال أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي؟ قالوا نعم ما جربنا عليك إلا صدقا، قال فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد، فقال أبو لهب تبا لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا؟ فنزلت(تبت يدا أبي لهب وتب ) )) [12] ، وفي رواية: (( يا بني عبد مناف يا بني عبد مناف إني نذير إنما مثلي ومثلكم كمثل رجل رأى العدو فانطلق يريد أهله فخشي أن يسبقوه إلى أهله فجعل يهتف يا صباحاه يا صباحاه أُتيتم أُتيتم ) ) [13] ، وفي حديث آخر: (( خذوا جُنَّتكم!، قالوا يا رسول الله عدو حضر قال لا ولكن جنتكم من النار قولوا سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر فإنهن يأتين يوم القيامة مجنبات

(1) صّ: 67، 68

(2) تفسير زاد المسير ـ دار الكتاب العربي - بيروت (ج: 2، ص: 538)

(3) فتح القدير ـ دار ابن كثير - دمشق، بيروت (ج: 3، ص: 166)

(4) التحرير والتنوير ـ الدار التونسية للنشر - تونس (ج: 1، ص: 2691)

(5) تفسير ابن كثير ـ دار طيبة للنشر والتوزيع (ج: 8، ص 318)

(6) زاد المسير ـ دار الكتاب العربي - بيروت (ج: 4، ص: 398)

(7) الحج: 2

(8) متفق عليه (مشكاة المصابيح ج:1، برقم 148، وهو أيضا في صحيح الجامع برقم 5860)

(9) قال الشيخ الألباني: صحيح (سنن النسائي ج: 3، ص: 188، برقم 1578)

(10) حديث صحيح (جامع الترمذي ج: 5، ص: 338، برقم 3185)

(11) حديث صحيح (صحيح الجامع برقم 5858)

(12) متفق عليه (مشكاة المصابيح ج: 3، برقم: 5372)

(13) تحقيق الألباني: صحيح (صحيح الجامع برقم: 7901)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت