ـ ونستطيع أن نلخص ذلك بأنه لا يصح الإيمان بالله والآخرة والغيبيات إذا لم يكن لله والآخرة والغيبيات قيمة وقدر في شعور الإنسان، وإذا لم تتأثر مشاعره بخوف المهابة والحب وخوف العقاب ورجاء الثواب والخضوع، وإذا لم ينشغل همه بالله والآخرة وإذا لم يكن الله والآخرة أكبر أهدافه التي يسعى لها.
ـ فمثلا الذي يكون حبه وخضوعه وخوفه ورجاءه للدنيا وليس لله، فإنه يقول بمشاعره: (( إِنْ هِيَ إلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ ) ) [1] ، وإن كان عنده اليقين النظري التام بالله والآخرة.
ـ فهناك من يتعامل مع المعلومات المؤثرة بدون الشعور بقيمتها، فمثلا هناك من ينظر إلى السماء أو الأرض أو المخلوقات على أنها شيء عادي كمعلومات جرداء دون النظر إلى ما وراء الأشياء ومن وراء هذه الأشياء، وكذلك ينظر إلى الآخرة كمعلومات دون الشعور بأهميتها وخطورتها، وكذلك يتعامل مع الله وصفاته كمعلومات دون الشعور بتأثيرها وخطورتها على الإنسان وصلتها بالإنسان ومصيره، ودون أن يشعر بقدر الله وعظمته، وعالم الغيب بما فيه من أهوال وعجائب تهز الوجدان والمشاعر، ذلك المصير المحتوم المخيف الذي في انتظارك، وحياتك وبيتك هناك، فذلك يستحق أن تفكر فيه وتتصوره وتشعر به، لكنه يتعامل مع الغيبيات على أنها مسألة اقتناع نظري أو عدم اقتناع نظري فقط، وهو مقتنع نظريا بها وانتهى الأمر على ذلك، ذلك لأن عالم الغيب لا يمثل عنده أي قضية من أساسه في حقيقة الأمر.
ـ لذلك فقد يكون هناك علماء في كل أمور الدنيا والدين ويعملون بذلك العلم، ورغم ذلك هم يخلدون في النار لأنهم تعاملوا مع كل أمور الدنيا والدين بدون شعور بالقيمة لحقيقة ما يعلمون وبدون تأثر مشاعرهم وهمومهم وأهدافهم بذلك فهم يعيشون بغير شعور بالقيمة فبذلك طبع على قلوبهم فهم كالموتى.
ـ كلما أراد الإنسان أن يلتزم بالدين كل ما يخطر في باله عمل الطاعات كالعبادات والأذكار والصلوات فقط وهي أمور عظيمة الثواب، ولكن إذا أراد الإنسان أن يلتزم بالدين فعليه أن يقوم بثلاثة أمور هي:
1 ـ تغيير عقله: أي يعقل حقيقة الأشياء، وتغيير العقل يشمل ثلاثة أمور (الشروط الثلاثة للعقل السليم) هي:
أ ـ يتغير تفكيره:
ـ أي تتغير طريقة تفكيره، فيكون تفكيره عميقا في حقائق الأشياء وليس في ظاهرها، أي يفكر في حقيقة الدنيا وحقيقة الشهوات وحقيقة الآخرة وحقيقة صفات الخالق (معرفة الله) وحقيقة ضعف الإنسان.
ـ فيسأل الإنسان نفسه عن حقائق الأشياء من حوله كيف وجدت ولماذا وجدت ومن أوجدها ومن الذي أوجد الإنسان وما الهدف من ذلك؟ وماذا عليه أن يفعل؟ ولماذا يعيش وما الهدف من حياته؟ وليس المطلوب المعرفة النظرية على هذه الأسئلة فهي معروفة ولكن يستشعر خطورة هذه المعرفة وما تدل عليه.
ـ أي التفكر مع حضور القلب لمعرفة الخالق والآخرة، والتذكر مع حضور القلب لمعنى أن له إله ومعنى أنه المالك والخالق والرازق والقادر ومعنى الآخرة وما تعنيه من الخطورة، أي يجمع بين التفكر والتذكر، لذلك يقول شيخ الإسلام ابن القيم: (( التفكر والتذكر أصل الهدى والفلاح ... قال الحسن: ما زال أهل العلم يعودون بالتذكر على التفكر وبالتفكر على التذكر ويناطقون القلوب حتى نطقت فإذا لها أسماع وأبصار ) ) [2] .
ب ـ تغيير نظرته للأشياء:
ـ أي تغيير نظرته للأمور من حوله ليشعر بالقيمة الحقيقية للأشياء من حوله، أي يكون عنده شعور بقيمة ما يسمعه وما يراه، فيرى الأمور على حقيقتها، فينظر إلى الدنيا وما بها من أمور وشهوات وأعمال على أنها ضئيلة فانية، وينظر إلى حياته على أنه مسافر مرتحل من دار الغربة إلى وطنه ودار إقامته وأهله، أي تصحيح المفاهيم عنده، فالسعادة واللذة والمتعة عند بعض الناس هي في الدنيا والشهوات والطعام والشراب، وذلك يدل على أنه في عقولهم خلل، وأنهم يحتاجون إلى أن تصح عقولهم أولا لكي تفهم حقائق الأشياء فهما صحيحا، فمتع الدنيا ضئيلة سواء في حد ذاتها أو بمقارنتها بمتع الجنة، بل أنها ليست متع وإنما آلام وعقاب يوم القيامة لمن تعلقت مشاعره بها.
ـ فتغيير نظرته إلى قيمة المال والمظاهر والشهوات والعادات من أمور يراها في نفسه عظيمة إلى أمور يراها في نفسه ضئيلة، وفي نفس الوقت لا مانع أن تبقى الدنيا في يده، أي تكون الدنيا في يده لا في قلبه، وقد سئل الإمام أحمد عن الصاحب يكون زاهدا ومعه مائة دينار قال: (( نعم على شريطة إذا زادت لم يفرح وإذا نقصت لم يحزن ) ) [3] وهذا معناه تغير المشاعر تجاه المال وهو أمر ليس سهلا، وكذلك لا ينظر نظرة انبهار وإعجاب بأصحاب الجاه والمناصب أو بأصحاب الأموال والممتلكات أو بأصحاب الشهوات أو بمتع الدنيا وأموالها وشهواتها ولكن ينظر نظرة انبهار وإعجاب بمدى قدرة الله ومدى علمه وحكمته وينظر نظرة انبهار وإعجاب بمدى ما في الجنة من متع ولذات وينظر نظرة رعب ووجل من أهوال الآخرة.
ج ـ تغيير همومه وأهدافه:
ـ فتكون الآخرة ولقاء الله وحقيقة ضآلة الدنيا هي شاغله الدائم الذي يشغل همه، وتكون الدنيا وما بها من أعمال أو مشاكل هي هم مؤقت مثلما يهتم المسافر بالطعام والشراب أثناء سفره فهو هم مؤقت، فلا يتلهى بالدنيا وأمورها فتظل تشغله حتى يأتيه الموت: (( أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ(1) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ )) [4] ، فتتغير همومه من هموم دنيوية إلى هموم بلقاء الله والآخرة وتتغير طموحاته من طموح إلى الدنيا إلى طموح إلى الآخرة، ومن أمل في الدنيا إلى أمل في الآخرة، وتتغير أهدافه من أهداف وطموحات ومشاريع ورغبات لا تعرف غير رغبات الدنيا إلى أن يصبح الطموح الأكبر هو الآخرة، أي يتغير ما يتمناه الإنسان ويحلم به، فبدلا من أن يتمنى الإنسان المال وأن يكون غنيا ويحلم بذلك، أو يتمنى المتع المختلفة في الدنيا فإنه يتمنى نعيم الجنة ويحلم به ويتمنى النجاة من النار لأن هذا حال من عرف حقيقة الآخرة وعرف ضآلة الدنيا، فبدلا من أن يكون أكبر ما يتمناه وأكبر ما يحلم به وأكبر ما يرجوه وأكبر ما يطمح إليه ويرجوه ويحلم به ويفكر فيه أن يعثر على كنز مثلا أو يصل لمنصب أو شهوات، ليصبح أكبر ما يتمناه ويطمح إليه ويرجوه ويحلم به ويفكر فيه هو دخول الجنة والنجاة من النار.
2 ـ تغيير مشاعره:
ـ فيخرج من قلبه محبة الدنيا ويدخل حب الله، ويخرج من قلبه الخوف من التعرض لآلام الدنيا ويدخل الخوف من الله وهكذا، فتتغير مشاعره من مشاعر لا تعرف غير الدنيا إلى مشاعر تعرف الله والآخرة والدين، أي يغير ما يحبه وما يكرهه وما يخافه وما يرجوه من أمور دنيوية إلى أمور أخروية، فتخرج الدنيا من القلب، وهذا ليس أمرا سهلا فإن أخطر ما عند الإنسان وأغلى ما يملكه هو مشاعره، وإن أصعب شيء على الإنسان هو تغيير مشاعره.
3 ـ تغيير عمله:
ـ المسلم مطلوب منه أمران هما أعمال دنيوية وعبادات، وكما أن أعمال الدنيا ضرورية فكذلك العبادات ضرورية فلا يقصر في العبادات على حساب أعمال الدنيا مهما كلفه الأمر، فعليه أن يقبل على عبادة التفكر ويتدبر القرآن مستعينا بكتب التفسير ويقبل على الأذكار والصلوات والدعاء ويحرص على كل عمل يذكره بالآخرة ما استطاع، ولا يجعل أعمال الدنيا تشغله عن ذكر الله والآخرة: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ) ) [5] ، وفي الحديث: (( مَنْ أحب دنياه أضر بآخرته ومَنْ أحب آخرته أضر بدنياه فآثروا ما يبقى على
(1) المؤمنون: 37
(2) مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة ـ دار الكتب العلمية - بيروت (ج: 1، ص: 213)
(3) الآداب الشرعية (2/ 241)
(4) التكاثر: 1، 2
(5) المنافقون: 9