فهرس الكتاب

الصفحة 62 من 249

النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ )) [1] ، إن الإنسان لو شعر فعلا بخطورة أنه قد يتعرض للمرض والمحن لشعر بالخوف والقلق وشعر بمدي ضعف الإنسان وشعر بأن هناك قوة أعلي من الإنسان تفعل به ما تشاء، وشعر بالخضوع لهذه القوة، ولتغير حاله تماما، ولذلك من الناس من إذا وصل إلى سن الشيخوخة، أو من النساء من إذا وصلت إلى سن اليأس، أو إذا تعرض لمرض أو محنة فإنه يستنكر ذلك ولا يسلم به ويحدث له اكتئاب شديد لأنه لا يريد لنفسه أن يمرض ولا يريد أن يموت رغم أن الناس من حوله يمرضون ويموتون، فهو بمشاعره يعترض أولا على إمكانية حدوث المرض أو المحنة، وينشأ عن ذلك أنه يعترض أيضا بمشاعره على الله وأن ذلك مقدر أو بأن هذا ظلم وتعدي عليه بدون وجه حق، ونفس الشعور قد يحدث له عند خروج الروح لأن الله يسلب منه كل شيء، وذلك رغم الإيمان النظري التام بالقضاء والقدر وبالموت، ولذلك فالشرع يعبر عن الإيمان بالقضاء والقدر بالرضا بالقضاء والقدر، والرضا هو شعور داخلي وليس مجرد يقين نظري، فعدم الرضا هو اعتراض بالمشاعر وإن كان موقنا يقينا نظريا وإن كان يقول بلسانه أنه راض وفي الحقيقة شعوره بالرضا غير موجود فقلبه متسخط.

ـ الكلمة التي لا يشعر الإنسان بقيمتها فكأنه لا يعرف معناها وتصبح كأنها لا معنى لها:

ـ الغيبيات عبارة عن أمور خارقة للأسباب فهي معلومات مؤثرة جدا وبالتالي تستجلب انتباه الإنسان وتؤثر في همه وتؤثر على مشاعره وهمومه وأهدافه وعمله، فإذا لم يحدث ذلك فهذا معناه أن الإنسان رفضها استكبارا وتغافل عنها.

ـ فالعقيدة عبارة عن معلومات، والتعامل مع أي معلومة لا يكون فقط بالاقتناع والتصديق النظري، فلا يصح اعتقاد الإنسان حتى يعقل حقيقة ما يعتقد وينشأ عن ذلك مشاعر وهموم وأهداف متعلقة بالله والآخرة، ولأن بعض كتب العقيدة تتناول العقيدة من جانب الاقتناع والتصديق النظري فقط، لذلك فهذا الكتاب الذي بين يديك الآن هو كتاب في العقيدة، لكنه لا يتناول العقيدة من ناحية الاقتناع والتصديق النظري فقط ولكن من جانب تصورها والشعور بخطورتها ووجودها في مشاعر المؤمن وهمومه وأهدافه.

ـ إذن التعامل مع أي معلومة لا يتم فقط كمعرفة نظرية ويقين نظري، وإنما لابد من الشعور بمقدار ما في المعلومة من أهمية وخطورة أو ألم ولذة، وبالتالي تكون المعرفة بهذه المعلومة معرفة حقيقية.

ـ فمثلا معنى كلمات: (إله) و (رب) و (الآخرة) و (الرسل) و (القرآن) و (الملائكة) و (القضاء والقدر) و (الموت) و (الدنيا) في اللغة وفي الشرع وفي العقل معروف وموجود عند الجميع، ولكننا لا نعرف معنى هذه الكلمات في التصور والمشاعر!!، فإن المعنى الذي يهم من معرفة أي شيء هو التصور لمدى أهميته أو مدى قدره وقيمته أو مدى ما ينشأ عنه من نفع أو ضرر، وبالتالي مدى تأثيره على المشاعر، فكلمة (الآخرة) والسفر إليها تعني الشعور بالخوف والشعور بالغربة، وكلمة (الخالق) تعني أن هناك من له سيطرة وقدرة وتحكم فوق كل الناس والكون وهذا يعني الشعور بخوف المهابة وحب الانتماء إليه فيخضع له خوفا وحبا، وكلمة (رب) تعني أنه أوجدك وأقامك وأمدك بما تحتاج وهذا يعني حبه تعالى، وكلمة (مخلوق) تعني ضعف المخلوق ونقصه واحتياجه للخالق ليحيا ويقضي حاجاته وخضوعه لهيمنة الخالق وسيطرته، ولذلك فإن الذي يشعر بعظمة الله وقدره وقدرته فقط هو الذي قد عرف الله وعرف أنه مخلوق معرفة حقيقية وهو الذي يحب الله وهو الذي يجيب على سؤال القبر"من ربك؟"، أما الذي تنقطع مشاعره عن الله واليوم الآخر وتتوجه إلى الدنيا، فالدنيا والشهوة ربه ودينه.

ـ ومن هنا نعرف كيف وصف الله الكافرين والمنافقين بأنهم أغبياء لا يفهمون ولا يعقلون رغم أنهم مقتنعون نظريا بصدق الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فالكفار يعلمون الحق ويفهمونه جيدا لكن مشاعرهم تأبى الإذعان والاستسلام لذلك، وبالتالي فمشاعرهم جاحدة مستكبرة: (( فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ) ) [2] ، (( وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ) ) [3] ، (( إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إلا كِبْرٌ ) ) [4] .

(1) البقرة: 96

(2) الأنعام: من الآية 33

(3) النمل: من الآية 14

(4) غافر: من الآية 56

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت