فهرس الكتاب

الصفحة 159 من 249

ـ هو شعور بالغربة في ابتعاده عن أهله ووطنه (في الآخرة) .

ـ معنى أن الإنسان اعتاد على أمر ما أي أنه رضي به واستقر فيه، وعندما يترك الإنسان شيئا اعتاد عليه وألفه يشعر بالحزن والضيق، وعكس ذلك عندما يكون الإنسان في أمر طارئ مؤقت عابر، فإنه عندما يترك هذا الأمر لا تتأثر مشاعره ولا يحزن ولا يهتم لأنه كان أمرا طارئا، فمثلا الإنسان يقابل آخرين في المواصلات ولكن عندما ينزل من السيارة لا يشعر بالفراق والحزن لفراقهم، ولكن عندما يكون له صديق عاش معه سنوات طويلة ثم يفارقه لموت صديقه مثلا أو لسفره فإنه يشعر بالحزن لأنه ألفه واعتاد عليه، وكذلك الذي يعمل في شركة سنوات طويلة ثم يتركها لفصله من العمل أو لإحالته على المعاش مثلا فإنه يحزن لأنه اعتاد عليها واعتاد أن يقوم كل يوم ثم يذهب للعمل ويؤدي أعمالا معينة ثم يعود، ولكن بعد تركه للعمل تغير حاله الذي اعتاد عليه فشعر بالكآبة، وهكذا.

ـ فمعنى أن الإنسان رضي بالدنيا واطمئن بها أي ألفها واعتاد عليها ورضي بها وطنا له ومستقرا له، ففيها يقيم ويسكن وفيها أهله وفيها آماله وطموحاته ورغباته، وهو لا يشعر أن وطنه وأهله وداره في الآخرة وليس في الدنيا.

ـ فالدنيا في نظر المؤمن ليست كذلك فهي مجرد حياة مؤقتة وجيزة تمضي سريعا وكل شيء فيها مؤقت فهي مجرد ممر يسير فيه ليصل إلى الآخرة فهو لا ينظر إليها ولكن ينظر إلى ما هو ذاهب إليه فلا يبالي زادت أم نقصت.

ـ فالدنيا ليست المكان المعد والمجهز والمناسب لإقامة الإنسان فيه، ولكن الدنيا عبارة عن سفينة أو مركبة تحمل الإنسان إلى بيته أو داره ومكان إقامته، وداخل هذه السفينة يعيش الإنسان حياة مؤقتة عابرة فيها مكان مؤقت ينام فيه وطعام وشراب مؤقت.

ـ والإنسان الذي ألف الدنيا واعتاد عليها ورضي بها عندما يشعر باقتراب الموت أو قبل موته يحدث له اكتئاب شديد وخوف وهلع لأنه لا يريد أن يترك ما اعتاد عليه.

ـ الفرق بين الغربة التي هي شعور من المشاعر والغربة التي هي عمل من الأعمال:

ـ هناك فرق بين أن يشعر الإنسان كأنه غريب وأن يعمل كأنه غريب ونوضح ذلك كالتالي:

ـ الشعور بالغربة هو ما يشعر به الإنسان الذي يعيش في بلد الغربة، وهو شعور بالقلق أو عدم الاطمئنان أو عدم الاستقرار أو عدم الارتياح أو عدم الانسجام أو عدم الاندماج أو عدم الأنس بالمكان وبالناس الموجودون حوله وبالأوضاع التي تحدث من حوله، وبتعبير آخر هو شعور الإنسان بأنه مسافر ومرتحل ومنتقل أو أنه مستعد نفسيا للسفر متأهب ومترقب ومنتظر ومتطلع إلى موعد السفينة أو الطائرة التي سوف تنقله إلى وطنه وبلده وأهله.

ـ وعكس هذا الشعور هو شعور بالرضا والاطمئنان والتأقلم والتعايش والأنس بالدنيا، أي هو ينظر إلى الدنيا كأنها داره ومقامه وسكنه ووطنه وبيته وفيها أهله وأصحابه وحياته وماله وعمله ومكان إقامته الدائمة، فهو لا يتطلع ولا ينتظر ولا يترقب ولا يرجو الحياة التي في الآخرة لأنه يتغافل عنها كأنه لا يسافر إليها، وهذا معناه أن الآخرة غير موجودة في مشاعره، إذن هذا الإنسان لا يرجو الآخرة ولذلك فهو راض ومطمئن بالدنيا على أنها داره ومقامه وهذا نفاق أكبر: (( إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ(7) أُولَئِكَ مَاوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ )) [1] .

ـ أما الغربة في عمل الإنسان هي أن يكون سلوك الإنسان وعمله مثل سلوك الإنسان المقيم في بلد الغربة أو الذي يستعد للسفر أو المسافر أثناء وجوده في السفينة أو الطائرة التي تنقله إلى بلده، فمثلا يكون طعامه وشرابه كيفما اتفق، وهذا العمل هو أثر طبيعي لشعوره بالغربة لكن عدم وجود هذا العمل ليس من النفاق الأكبر.

(1) يونس: 7، 8

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت