فهرس الكتاب

الصفحة 172 من 249

ـ إن كلمة الآخرة تعني المصير المرعب والمخيف الذي أنت مقبل عليه، وتعني الأهوال العظيمة، فلماذا لا تشعر بخوف المهابة والقلق من أهوال القيامة؟، فمن أسماء الآخرة (يوم الحسرة) و (يوم الزلزلة) و (يوم تشخص فيه الأبصار) ، و (الغاشية) وفي تفسير البحر المحيط: (( {هل أتاك حديث الغاشية} والغاشية: الداهية التي تغشى الناس بشدائدها يوم القيامة ) ) [1] ، وهو (( يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا ) ) [2] ، إن الآخرة هي أخطر شيء في حياة الإنسان، وأهوال القيامة من أشد ما يمكن ومن أخطر ما يمكن، وما نشعر به من ذلك الخطر لا يساوي واحد علي مليون أبدا، فالأمر يقابله البعض ببرود في حين أن أي أمر من أمور الدنيا تجد المشاعر تتفاعل والخوف شديد، وأنظر إلى شدة خوف الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والصحابة والتابعين والصالحين من الآخرة، فلو جاء إلينا إنسان من الآخرة فرأي حالنا لأصابته سكتة قلبية من حال البعض وبرود أعصابهم تجاه هذا الخطر المحدق، أنظر كيف يعبر القرآن عن هذا الخطر (( يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ) ) [3] ، فهل رأيت إنسان أصابه السكر من شدة العذاب، إن الذي يقول أن ما يحدث في الآخرة هو خيال لا يصدق هو أفضل حالا من الغافل عن الآخرة، وإن الذي يشعر بخطورة الآخرة علي أنها فيلم مرعب يثير الفزع والرعب من أفلام السينما فهو رغم خطأه الفادح أفضل حالا ممَنْ تكون الآخرة في شعوره عادي!، فلابد أن تشعر بمدي ما أنت مقبل عليه، وكيف لا يهتم إنسان بأن يشعر بما هو مقبل عليه.

ـ إن الآخرة التي في مشاعر البعض تختلف عن الآخرة الحقيقية، فإن الآخرة التي في مشاعر بعض الناس اليوم هي آخرة أليفة ودودة لا مشكلة فيها ولا خطر فيها، وإن شعورهم بالآخرة مثل شعورهم بأي شيء عادي!، إنك لو قارنت بين خطر الآخرة وبين أي أخطار أو مخاوف في الدنيا فسوف تجد أن الآخرة لا تمثل في مشاعرك خطر حقيقي أو أهمية حقيقية مثل أي خطر تواجهه أو تتعرض له في الدنيا، فتجد المشاعر متفاعلة به والبال مشغول، وذلك رغم الفارق العظيم بين كل أخطار ومخاوف الدنيا وبين خطر الآخرة، إن الذي لا يتأثر بشيء مؤثر جدا فإنه لا يعي ولا يشعر بحقيقة ما في هذا الشيء من خطورة، فهو لا عقل له، إن الآخرة أمر مؤثر جدا وخطير جدا ولكن لا يوجد تأثر بها!!.

ـ فكلمة (الآخرة) عند من لم يشعر بخطورتها تختلف عن كلمة (الآخرة) عند من يشعر بخطورتها وأنها أمر فعلي حقيقي وحقيقة ماثلة فعلا، فالأول يراها أمرا عاديا ومجيئها لا يمثل خطورة والثاني خائف منها: (( يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أنها الْحَقُّ إلا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ ) ) [4] ، والأول سوف يفاجئ المفاجأة الرهيبة بيوم القيامة كأنها مفاجأة لم يكن يعرفها كأنه لم يسمع عن شيء اسمه الآخرة لأنه لم يكن يشعر بخطورة الآخرة، أما الثاني فكان يعيش وعنده تهيئة نفسية فلا يفاجئ بالآخرة وإنما هو منتظر مجيئها ومنتظر تحقيق وعد الله تعالى.

ـ إن الآخرة تعني الأهوال والمصير والمستقبل، فكيف لإنسان عاقل يصدق بهذا ولا تنشغل همومه ومشاعره بمصيره ومستقبله، ذلك لأن الآخرة ليس لها وجود حقيقي في همومه ومشاعره، إن الذي يعرف أن هناك آخرة هي مستقبله ومصيره وأنه مسافر إليها ثم لا يشعر بالغربة لأنه مسافر إلى الآخرة ولا يشعر بالخوف والقلق في حين تتعلق مشاعره بالدنيا مع علمه بفنائها وضآلتها فهذا الإنسان لا يوقن بالآخرة يقينا حقيقيا، فالذي يقول بأن الدنيا ضئيلة فانية والآخرة هي الحياة والمتع الحقيقية ثم تجد مشاعره منقطعة عن الآخرة ومتجهة إلى الدنيا فهو كذاب، ولو كان صادقا فيما يقول لتعلقت مشاعره بالآخرة، لأن الدنيا في مشاعره هي الحياة والمستقبل والمصير، ومن هنا نستطيع أن نفهم معنى الصدق الحقيقي (صدق المشاعر) ، فإن اقتناعه بأن الدنيا ضئيلة فانية والآخرة هي الباقية هو اقتناع كاذب، وإنما هو يقول بمشاعره: (( إِنْ هِيَ إلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ ) ) [5] رغم أن الاقتناع النظري تام بالآخرة إلا أنه اقتناع كاذب، فالآخرة في الاقتناع النظري عنده خطيرة ومصيرية لكنها في المشاعر ودودة أليفة لا مشكلة فيها

(1) البحر المحيط ـ دار الفكر - بيروت (ج: 10، ص: 480)

(2) المزمل: من الآية 17

(3) الحج: 2

(4) الشورى: 18

(5) المؤمنون: 37

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت