ـ اليقين الحقيقي بقدرة الله وضعف الإنسان يؤدي إلى الخوف والرهبة:
ـ لو سمعت أن رجلا خارقا يستطيع أن ينقل الجبال أو يستطيع أن يبيد الناس في لحظة أو الخ، بماذا تشعر؟، إنك تشعر بالهيبة والخشية والرهبة، فان الله يستطيع ما هو أعظم من ذلك (( وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا ) ) [1] ، ويستطيع أن يبيد كل البشرية في أقل من لحظة، فلماذا لا تشعر بنفس الشعور السابق؟، وإذا كنت تدعي أنك تشعر بالهيبة والرهبة من الله ففي الحالة الأولى كانت هناك حالة نفسية وانفعالات داخلية مميزة للشعور بالرهبة والهيبة، فهل عندك هذه الحالة النفسية؟، أم أنه مجرد إدعاء واقتناع بأن عندك الهيبة والرهبة والتعظيم لله؟!.
ـ أنت إذا قابلت ملكا من ملوك الدنيا فإنك تشعر بالخوف والرهبة والمهابة، فإذا لم تشعر بأي شيء من هذا فأنت لا تعرف أن من قابلته هو ملك من الملوك، فهو بالنسبة لك مثل أي رجل عادي يمر بك في الطريق، هذا هو الحال مع الله الملك فأنت لا تشعر بماذا يعني أن الله هو الملك، إن الملك هو الذي بيده كل شيء وكل ما يملكه ملوك الدنيا هو أقل من ذرة من ملكه وهو الجبار المهيمن وأنت بين يديه دائما يراك ولا تغيب عنه فأين هذه المشاعر؟ إذن فصفات الله وأسماءه موجودة في اقتناعك النظري لكنها غائبة ولا وجود لها في مشاعرك.
ـ الشعور بعظمة الله يؤدي إلى الخوف والرهبة:
ـ جاء في تفسير ابن كثير: (( وقال الضحاك: {تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ} أي: يتشققن فَرَقًا من عظمة الله ) ) [2] ، وفي تفسير القرطبي: (("ما لكم لا ترجون لله وقارا"أي لا تخافون عظمة الله ) ) [3] ، وفي شعب الإيمان للبيهقي: (((ما لكم لا ترجون لله وقارا) فقيل في التفسير ما لكم لا تخافون عظمة الله، وذمهم في آية أخرى فقال: (وقال الذين لا يرجون لقاءنا) فقيل أراد به: لا يخافون، فدل جميع ما وصفناه على أن الخوف من الله تعالى من تمام الاعتراف بملكه وسلطانه ونفاذ مشيئته في خلقه، وأن إغفال ذلك إغفال العبودية )) [4] .
ـ لماذا يخاف الإنسان من العفاريت؟، لأنها كائنات لا يراها لها القدرة على أن تؤذي الإنسان، فيخاف منها خوف مهابة وخوف عقاب، ورغم أن الإنسان غير مقتنع بوجود العفاريت ولكن بمجرد أن يأتيه الشك بوجودها يشعر بالخوف!!، إن الله ليس كمثله شيء وهو أعظم من كل شيء وهو سبحانه لا نراه وله القدرة على أن يفعل بالإنسان أي شيء وكل شيء من ضرر أو نفع فلماذا لا نخاف من الله مثلما نخاف من العفاريت رغم أننا نشك في وجود العفاريت ونوقن بوجود الله ورغم أن قدرة الله أعظم بكثير من قدرة العفاريت على الإنسان؟!، ذلك لأن الله بقدرته وهيمنته وعظمته ليس له وجود حقيقي في المشاعر وإنما موجود فقط في الاقتناع النظري!!.
ـ أنت إذا رأيت ساحرا، فإنه يحدث لك خوف مهابة مما يصنع وحب إعجاب بما يصنع: (( قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ ) ) [5] .
ـ أنظر إلى حال رجل يذهب لمقابلة ملك من ملوك الدنيا، فإنه يستعد ويتهيأ نفسيا لأنه أمر رهيب، إنه يكون في قلق واضطراب، وعندما يقف عند الملك قد يتلعثم من هيبة الموقف، إن الحالة النفسية التي عنده هي التي تسمي خوف المهابة، فإذا كنت تدعي خوف المهابة من الله فهل عندك هذه الحالة النفسية؟!.
ـ خطورة الشعور بالخوف من مهابة الله والخوف من عقابه:
ـ الخوف شرط الإيمان، وقد سبق أن أوضحنا ذلك في الفصل الثالث.
ـ الخوف الدائم والمخاوف المؤقتة:
ـ الخوف الأكبر هو خوف مسيطر على الإنسان لا ينساه طوال عمره.
ـ الإنسان الذي يسافر إلى مكان مجهول لا يعرفه، وهناك يتم عرضه على محكمة تحكم عليه إما بالخلود في العذاب أو النعيم، فهو خائف من هول الأمر الذي هو مقبل عليه لأنه يتوقف عليه مصيره وحياته كلها، ولكن هناك مخاوف أخرى مؤقتة بسيطة أثناء سفره إلى هذه المحكمة وهي هل يجد استراحات قريبة يستريح فيها أم لا؟، وهل ينفد ما عنده من ماء وهل يجد مكان قريب فيه ماء؟، وهل يوجد شيء يعرضه للأذى أثناء سفره؟، كل هذه مخاوف يحمل لها هما ولكنها ليست بشيء أمام الخوف الأكبر الذي يسيطر عليه وهو ماذا يجد وماذا يكون مصيره عندما يصل إلى ذلك المكان الرهيب؟!.
ـ فكذلك الدنيا هناك بعض الأمور التي يخاف منها الإنسان والتي قد تعرضه للأذى لكنها مخاوف مؤقتة عابرة وخوفه الأكبر من يوم القيامة والحساب ومن لقاء الله تعالى وهو خوف دائم لا يفارقه.
ـ أنواع الخوف من هيبة الله تعالى:
1 ـ خوف المهابة من القرآن وذكر الله تعالى:
ـ اليقين الحقيقي بأن القرآن هو كلام الملك والمسيطر والمهيمن والقهار والجبار والمتكبر يؤدي إلى الخوف من جلال الله، أي الخوف من مهابة الله والخشية والوجل وليس خوفا من عقابه، أي يحدث الخوف لمجرد أن ذلك كلام الله القهار المهيمن: (( اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إلى ذِكْرِ اللَّهِ ) ) [6] ، وفي تفسير البحر المديد: (( {الذين إذا ذُكر الله وَجَلتْ قلوبُهم} ؛ خافت واقشعرت لذكره استعظامًا له وهيبة من جلاله ) ) [7] .
ـ وفي تفسير ابن كثير تفسير ابن كثير: (( ثم قال تعالى منكرا على المشركين في استماعهم القرآن وإعراضهم عنه وتلهيهم: {تَعْجَبُونَ} من أن يكون صحيحا، {وَتَضْحَكُونَ} منه استهزاء وسخرية، {وَلا تَبْكُونَ} أي: كما يفعل الموقنون به، كما أخبر عنهم: {وَيَخِرُّونَ لِلأذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا} [الإسراء: 109] ) ) [8] ، فالموقنون بالقرآن يبكون من مهابته، وفي تفسير القرطبي: (( لما قرأ النبي صلى الله عليه وسلم(أفمن هذا الحديث تعجبون وتضحكون ولا تبكون وأنتم سامدون) لم ير ضاحكا إلا مبتسما حتى مات صلى الله عليه وسلم )) [9] .
2 ـ خوف المهابة من الله تعالى:
ـ لقد كان الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والعشرة المبشرون بالجنة يخافون من الله رغم علمهم بالوحي أنهم من أهل الجنة، لأنهم يخافون من مهابة الله.
ـ جاء في أيسر التفاسير: (( {مالكم لا ترجون لله وقارا} : أي لا تخافون لله عظمته وكبرياءه وهو القاهر فوق عباده ) ) [10] ، (( وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أنهم إلى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ ) ) [11] ، (( وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ) ) [12] .
ـ والملائكة تخاف من مهابة الله تعالى، ففي تفسير الرازي: (((يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) ... ذلك الخوف خوف الإجلال هكذا نقل عن ابن عباس رضي الله عنهما، والدليل على صحته قوله تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ العلماء} [فاطر: 28] وهذا يدل على أنه كلما كانت معرفة الله تعالى أتم، كان الخوف منه أعظم، وهذا الخوف لا يكون إلا خوف الإجلال والكبرياء )) [13] ، وفي تفسير بحر العلوم: (( {يخافون رَبَّهُمْ مّن فَوْقِهِمْ} » أي: يخافون خوفًا، معظمين، مبجلين ) ) [14] ، وفي تفسير البحر المديد: (( {يخافون ربهم من فوقهم} ... أي: يخافون عظمة
(1) طه: 105
(2) تفسير ابن كثير ـ دار طيبة للنشر والتوزيع (ج: 5، ص: 266)
(3) تفسير القرطبي ـ دار الكتب المصرية - القاهرة (ج: 3، ص: 50)
(4) شعب الإيمان للبيهقي ـ مكتبة الرشد للنشر والتوزيع بالرياض (ج: 2، ص: 290)
(5) الأعراف: 116
(6) الزمر: من الآية 23
(7) تفسير البحر المديد ـ الناشر: الدكتور حسن عباس زكي - القاهرة (3/ 4)
(8) تفسير ابن كثير ـ دار طيبة للنشر والتوزيع (ج: 7، ص: 468)
(9) تفسير القرطبي ـ دار الكتب المصرية - القاهرة (ج: 17، ص: 124)
(10) أيسر التفاسير للجزائري مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة، السعودية (ج 4، ص: 314)
(11) المؤمنون: 60
(12) البقرة: من الآية 40
(13) تفسير الرازي (ج 9، ص: 400، 401)
(14) بحر العلوم للسمرقندي (ج: 2، ص: 467)