ـ من الناس من عنده طول أمل وطموحات في أمور الدنيا لكن ليس عنده أي أمل أو طموح في الآخرة فليست الآخرة من أهدافه فلا يرجوها رغم أنه مصدق بالآخرة.
ـ فهؤلاء لا يريدون أن يموتوا فيعيشون كأن الموت لن يأتيهم، وهم مشغولون بالدنيا لا يترقبون الآخرة.
ـ وفي أيسر التفاسير: (( {إِنَّ الَّذِينَ لا يرجون لقاءنا} أي لا ينتظرون ولا يؤملون في لقاء الله تعالى يوم القيامة، {ورضوا بالحياة الدنيا} أي بدلًا عن الآخرة فلم يفكروا في الدار الآخرة، {واطمأنوا بها} أي سكنوا إليها وركنوا فلم يروا غيرها حياة يُعمل لها، {والذين هم عن آياتنا غافلون} لا ينظرون إليها ولا يفكرون فيها، {أُولَئِكَ مَاوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} ) ) [1] ، وفي تفسير التسهيل لعلوم التنزيل: (( إن الذين لا يرجون لقاءنا ... وقيل(لا يرجون) لا يتوقعون أصلا ولا يخطر ببالهم، (ورضوا بالحياة الدنيا) أي قنعوا أن تكون حظهم ونصيبهم، (واطمأنوا بها) أي سكنت أنفسهم عن ذكر الانتقال عنها والذين هم عن آياتنا غافلون )) [2] ، وفي تفسير البحر المديد: (( {إن الذين لا يرجون لقاءَنا} أي: لا يتوقعونه ) ) [3] .
ـ (( وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أو بَدِّلْهُ ) ) [4] ، (( بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا ) ) [5] ، (( أنهم كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا ) ) [6] ، (( مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا ) ) [7] .
ـ وعدم وجود هذا الشعور بالاستعداد والتأهب والتطلع إلى الآخرة يعني عدم وجود الشعور بقدر الآخرة، وفي تفسير القرطبي: (( والذين كفروا عما أنذروا معرضون مولون لاهون غير مستعدين له ويجوز أن تكون ما مصدرية أي عن إنذارهم ذلك اليوم ) ) [8] ، وفي تفسير الطبري: (( {اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون} .... يقول وهم في الدنيا عما الله فاعل بهم من ذلك يوم القيامة وعن دنو محاسبته إياهم منهم واقترابه لهم في سهو وغفلة وقد أعرضوا عن ذلك فتركوا الفكر فيه والاستعداد له والتأهب جهلا منهم بما هم لاقوه عند ذلك من عظيم البلاء وشديد الأهوال ) ) [9] .
ـ الشعور بترقب الموت (الشعور بأن الموت متوقع في أي وقت الآن) :
ـ هناك فرق بين المعرفة النظرية بأن الموت يأتي بغتة في أي لحظة وبين الشعور بذلك، فالشعور بأن الموت يأتي بغتة في أي لحظة يعني شعور مستمر بالقلق والخوف وتوقع الموت في أي لحظة، وبالتالي القلق والخوف من أنك تنتقل إلى الآخرة في أي لحظة، فالإنسان بطبيعته يحب الحياة والموت مخيف بالنسبة له، والآخرة مخيفة أكثر، ويقول أبو حامد الغزالي: (( قال الحسن رحمه الله تعالى: فضح الموت الدنيا فلم يترك لذى لب فرحا .... ، وقال إبراهيم التيمي: شيئان قطعا عني لذة الدنيا ذكر الموت والوقوف بين يدي الله عز وجل، وقال كعب: من عرف الموت هانت عليه مصائب الدنيا وهمومها ) ) [10] ، وأنت تسمع كل يوم أن مات فلان ومات فلان وسوف يأتي اليوم الذي ينادى فيه باسمك!!.
ـ عندما يمرض الإنسان لا يخطر على باله أنه من الممكن أن يكون ذلك مرض الموت، ويظل يدعو الله ويصلي من أجل أن يشفيه الله فقط وليس من أجل الآخرة، فإذا انتهى ذلك المرض بالموت فعندما يوشك على الموت فإنه يكره الله لأنه لم يشفيه ولأنه يرى أن الموت هو النهاية وليس انتقال للآخرة، فقد أخذ يدعو الله ويخلص له من أجل الدنيا فقط: (( فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إلى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ ) ) [11] .
(1) أيسر التفاسير للجزائري مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة، السعودية (2/ 450)
(2) التسهيل لعلوم التنزيل لابن جزي ـ شركة دار الأرقم بن أبي الأرقم - بيروت (1/ 353)
(3) البحر المديد ـ الناشر: الدكتور حسن عباس زكي - القاهرة (2/ 452)
(4) يونس: 15
(5) الفرقان: 40
(6) النبأ: 27
(7) نوح: 13
(8) تفسير القرطبي [الجامع لأحكام القرآن] ـ دار الكتب المصرية - القاهرة (ج: 16، ص: 179)
(9) تفسير الطبري [جامع البيان في تأويل القرآن] ـ مؤسسة الرسالة (ج: 17، ص: 1)
(10) إحياء علوم الدين ـ دار المعرفة - بيروت (ج: 4، ص: 451)
(11) العنكبوت: 65