فهرس الكتاب

الصفحة 137 من 249

ـ كل الناس يعلمون أن الله هو الذي يرزقهم لكن أكثرهم لا يعقلون ما يعلمونه، فعلمهم بأن الله هو الرزاق هو علم نظري فقط وليس علما حقيقيا: (( قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ) ) [1] .

ـ (( قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأمر فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ ) ) [2] .

ـ الأخذ بالأسباب والرزق:

ـ ظاهر الأمر أن ما يكسبه الإنسان من عمله هو من كسب يده، وحقيقة الأمر أنه رزق الله إليه، ونوضح ذلك الأمر كالتالي:

ـ كل ما يحتاجه الإنسان من طعام وشراب ومسكن ووسائل تعينه في حياته وضعه الله للإنسان وتكفل به، فالطعام يصنعه الله للإنسان من الأرض، وخلق له الأنعام تنمو وتأخذ طعامها من نبات الأرض، وما يفعله الإنسان من سقي النبات أو وضع النبات للحيوان ليأكل ليس إيجادا للنبات أو الحيوان ولكن ذلك من تسخير الأشياء للإنسان لتستجيب لما يفعله من أمر بسيط، وكذلك الأسماك في البحار فالإنسان ليس عليه إلا أن يصطادها، ووضع الله البترول والمعادن في باطن الأرض وسخر الله الأشياء للإنسان، وكذلك إقامة المصانع والمباني هي من تسخير مواد الأرض للإنسان، وإذا ترجمنا كل هذه الأمور إلى أموال فالمفترض أن يتم توزيع هذه الأموال على البشر بالتساوي، فهذا المال موضوع للإنسان ولم يأتي به أحد من البشر وهو موضوع كرزق للبشر، ولكن الذي يحدث أن بعض الناس يظلمون غيرهم فيأخذون حقوق غيرهم في هذا المال.

ـ إذن فالمال الذي يحصل عليه الإنسان من العمل وغيره ليس إلا نصيب من هذا المال العام الموضوع في الأرض وهو لم يُنشئ هذا المال ويصنعه بعمله ولكنه رزق من الله إليه، لذلك قد يكون عمل الإنسان بسيط جدا أو ليس فيه أي جهد لكنه يحصل منه على مال عظيم أو العكس، فذلك المال هو المقدار الذي قدره الله له من توزيع هذا المال العام.

ـ ولكن الإنسان مغرور بجهده الذي يبذله في العمل وهو في حقيقته ليس بشيء رغم أنه مأمور بالقيام به، فالمال مال الله: (( وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ) ) [3] .

ـ فعندما يتصور الإنسان ذلك يشعر بأن ما يأتيه هو قادم إليه من عند الله على وجه الحقيقة وليس مجازا فيشعر من داخله بالشكر والحب لله تعالى على نعماءه، وينشغل هم الإنسان بمدى كرم الله وإحسانه على عباده رغم أنهم لا يستحقون ورغم ظلمهم وقدرته على أن يهلكهم.

ـ أما مجرد الاقتناع النظري فقط بأن كل شيء يأتيك هو من عند الله فلا قيمة له، حيث يكون حقيقة شعور الإنسان من الداخل أنه يحصل على المال والطعام والشراب من تعبه وكده وأنه لولا تعبه وكده ما حصل على شيء، فعندئذ لن يتحقق اليقين الحقيقي بصفات الإنعام للخالق سبحانه.

ـ لكي يتحقق اليقين الحقيقي بأن الله له صفات الإنعام لابد من تحقيق ثلاثة أمور هي:

1ـ التصور لمعنى النعم: أي تصور معنى أن كل شيء مسخر وفيه فوائد للإنسان وبالتالي هو نعم للإنسان، وتصور مدى فائدة النعم للإنسان واحتياجه إليها وأنه بدونها لا تقوم حياته، وبالتالي الشعور بلذة التمتع بها، والشعور بألم الخوف من فقدها، ولا يشعر الإنسان بقيمة النعمة إلا إذا فقدها.

2ـ الشعور بأن هذه النعم ليست ملكا للإنسان وليست موجودة بذاتها وأن الإنسان لا يستحقها وأنه لم يأتي بها من كده وتعبه.

3ـ والشعور بأن هناك من خلقها بشكل معين بحيث يقصد أن يكون فيها النفع للإنسان.

(1) سبأ: 36

(2) يونس: 31

(3) النور: 33

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت