فهرس الكتاب

الصفحة 138 من 249

ـ الفرق بين اليقين النظري واليقين الحقيقي بأن الله له صفات الإنعام:

ـ كل الناس يعرفون نعم الله تعالى ويوقنون بها، لكنها معرفة نظرية ويقين نظري عند البعض، حيث يتجاهلون ويتناسون ويتغافلون عن فوائد هذه النعم واحتياجهم إليها، كما يتجاهلون ويتناسون ويتغافلون عن أنها ملكا لله وليست ملكا لهم، ويشعرون كأنهم هم الذين يرزقون أنفسهم بكدهم وعملهم.

ـ اليقين الحقيقي بصفات الإنعام لله تعالى يؤدي إلى الخضوع والحب لله تعالى، فمن علم أنه لا يملك شيئا وأنه في أشد الحاجة إلى من يمده بما يحتاجه فإنه يذل نفسه لمن عنده النعمة ليعطيه، وهو أيضا ذليل لمن يعطيه لأن الحاجة ضعف والعطاء قوة فهو عبد لإحسان الله إليه، وفي نفس الوقت هو محب لمن يعطيه لعطائه بغير استحقاق فهو محض فضل من الله، فكان من الممكن أن يوجدك الله ويتركك بلا عطاء فتهلك ولكن أنعم عليك.

ـ العطاء والكرم صورة من صور القوة:

ـ العطاء والكرم صورة من صور القوة، والاحتياج والعوز صورة من صور الضعف، فالذي يعطيك من غير أن تستحق فهو متكبر عليك بحق وأنت مستذل وذليل له بحق، فالمذموم هو التكبر بغير حق، ولأن القوة كلها لله فهو المتكبر، والضعف كله للمخلوقات فهي الذليلة، ففي تفسير الرازي: (( واعلم أن المتكبر في حق الخلق اسم ذم، لأن المتكبر هو الذي يظهر من نفسه الكبر، وذلك نقص في حق الخلق، لأنه ليس له كبر ولا علو، بل ليس معه إلا الحقارة والذلة والمسكنة، فإذا أظهر العلو كان كاذبًا، فكان ذلك مذمومًا في حقه أما الحق سبحانه فله جميع أنواع العلو والكبرياء، فإذا أظهره فقد أرشد العباد إلى تعريف جلاله وعلوه، فكان ذلك في غاية المدح في حقه سبحانه ولهذا السبب لما ذكر هذا الاسم قال: {سبحان الله عَمَّا يُشْرِكُونَ} كأنه قيل: إن المخلوقين قد يتكبرون ويدعون مشاركة الله في هذا الوصف لكنه سبحانه منزه عن التكبر الذي هو حاصل للخلق لأنهم ناقصون بحسب ذواتهم، فادعاؤهم الكبر يكون ضم نقصان الكذب إلى النقصان الذاتي، أما الحق سبحانه فله العلو والعزة، فإذا أظهره كان ذلك ضم كمال إلى كمال، فسبحان الله عما يشركون في إثبات صفة المتكبرية للخلق ) ) [1] ، وفي تفسير الطبري: (( ويعني بقوله:"القاهر"المذلِّل المستعبد خلقه ) ) [2] .

ـ لا يعرف النعمة إلا من فقدها:

ـ إذا لم يشعر الإنسان بفوائد وأهمية النعم له، فهو لا يعرف شيء اسمه (نعمة) أصلا، وبالتالي لن يشعر بحب الخالق والخضوع لإنعامه.

ـ وأيضا إذا لم يشعر بمدى احتياجه إلى هذه النعم وأن حياته لا تقوم بغيرها، فلا تهمه النعم فهو مستغني عنها، وبالتالي لن يشعر بحب الخالق والخضوع لإنعامه.

ـ والنعم لها فوائد عظيمة جدا ولكن لا يشعر بها إلا من فقدها، فمثلا الصحة تاج فوق رؤوس الأصحاء لا يراها إلا المرضى، وهكذا، فالإنسان لا يشعر بقيمة قطرة المياه إلا إذا حرم منها، فالأصل أن الإنسان محروم من كل النعم ثم أعطاه الله هذه النعم، وإذا حرم الإنسان من كل النعم فهو ميت أو عدم لأن كل شيء هو نعم للإنسان: (( كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إليه تُرْجَعُونَ ) ) [3] ، فالأصل أنك أعمى ثم أبصرت، فانظر كيف يشعر إنسان أعمى إذا أبصر، إنه عندئذ فقط يشعر بنعمة البصر، ويشعر بحب عميق جدا لمن أنعم عليه بأن جعله يبصر، وهكذا.

ـ فيتحقق الشعور بأن الله هو المالك وأن له صفات الإنعام بأن يشعر الإنسان بعظمة نعم الله عليه، وبمدى احتياجه إلى هذه النعم وأنه لا تقوم حياته بغيرها وأنه غير مستحق لأي منها، وأنه لم يحصل عليها لا من كسب ولا كد ولا تعب فهذه مجرد أسباب وإنما هذه النعم هي محض تكرم وإنعام من الله العظيم إلى العبد الفقير المعدوم الذي لا يملك حتى نفسه.

(1) تفسير الرازي [مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير] ـ دار إحياء التراث العربي - بيروت (ج: 29، ص: 514)

(2) تفسير الطبري ـ مؤسسة الرسالة (ج: 11، ص: 288)

(3) البقرة: 28

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت