فهرس الكتاب

الصفحة 28 من 249

ثواب، فلابد من إحياءه مرة أخرى للحساب، فالكفار يتناسون الآخرة لذلك فهم لا يخافون منها رغم علمهم بها: (( كَلَّا بَلْ لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ ) ) [1] والذي لا يخاف من شيئا مخيفا هو يعلمه لكن لا يعقل خطورته لأنه يتناساه، وفي تفسير الهداية إلى بلوغ النهاية: (( {إِنَّهُمْ كَانُوا لاَ يَرْجُونَ حِسَابًا} ، أي: لا يخافون محاسبة الله لهم على أعمالهم في الآخرة، قال قتادة: كانوا في الدنيا لا يخافون محاسبة ) ) [2] ، إذن هم يوقنون بها ولكنه يقين نظري فقط، وحقيقة أمرهم أنهم لا يوقنون بالآخرة لأنهم يتناسوها ولا يخافون منها ولا يترقبونها ولا يعقلون خطورتها وينفرون منها.

ـ ولا فائدة من اليقين النظري وحده، فالإنسان إذا لم يعقل المعلومة فلا فائدة من استقبال المعلومات ولا فائدة من اليقين النظري بها، فيصبح الإنسان كأنه لم يستقبل معلومات، أي يصبح كأنه أصم لا يسمع أو كأنه أعمى لا يرى، وهذا ما يطلق في الشرع بالختم على السمع والغشاوة على البصر، أي يصبح بمنزلة من لا يرى ولا يسمع.

5ـ كل الناس يوقنون بالله والآخرة والدين نظريا من خلال التفكر ولكنهم يتناسون ذلك:

ـ أي ملك من ملوك الدنيا يريد من الناس أن يعظموه ويخضعوا له ويطيعوه، فهو بذلك يكون ملكا عليهم، فإذا لم يعظموه ويخضعوا له ويهابونه ويخافونه ويطيعوه هم بذلك لم يجعلونه ملكا عليهم.

ـ فكل الناس يعلمون ما الذي يريده الله منهم وهو أن يعظموه ويخضعوا له ويهابونه ويخافونه ويطيعوه.

ـ ومن الناس من يعظم الله ويخضع له ويهابه ويخافه ويطيعه فهو بذلك يجعله ملكا عليه، ومن الناس من يرفض الخضوع لأن فيه ألم وذل ويرفض أن يطيعه لأن ذلك يقيده ويخالف هواه رغم علمه ويقينه النظري التام بأن الله هو الملك عليه وأنه يجب عليه أن يخضع له ويخافه ويطيعه ولكنه يستكبر.

ـ وكل الناس يعلمون أنه لا يمكن أن يترك الله من يخضع له ومن لا يخضع سواءا، فلابد أن يعاقب الذي لم يخضع ويثيب من خضع، وحيث أن الناس تموت ولا ترى عقابا أو ثوابا لأحد فلابد من بعث الناس مرة أخرى من أجل ثوابهم وعقابهم.

ـ فبالتفكر يعرف الإنسان وجود الآخرة: (( أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إلا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ ) ) [3] ، والأجل المسمى هو يوم تنتهي فيه الحياة لتبدأ حياة من جديد للثواب والعقاب، فلن يبقى الناس يتناسلون إلى مالا نهاية وبالتالي تبقى الحياة بلا حساب وعقاب، فلابد أن تنتهي الحياة لتبدأ حياة جديدة للحساب: (( وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إلا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ ) ) [4] ، فبالتفكر يعقل الإنسان مجيء يوم الحساب ويشعر بمدى خطره: (( رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ) ) [5] ، وفي تفسير التحرير والتنوير: (("وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ".. وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ بَعْثٌ وَجَزَاءٌ لَكَانَ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا عَبَثًا، وَنَحْنُ خَلَقْنَا ذَلِكَ كُلَّهُ بِالْحَقِّ، أَيْ بِالْحِكْمَةِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ إِتْقَانُ نِظَامِ الْمَوْجُودَاتِ، فَلَا جَرَمَ اقْتَضَى خَلْقَ ذَلِكَ أَنْ يُجَازَى كُلُّ فَاعِلٍ عَلَى فِعْلِهِ وَأَنْ لَا يُضَاعُ ذَلِكَ، وَلَمَّا كَانَ الْمُشَاهَدُ أَنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ يَقْضِي حَيَاتَهُ وَلَا يَرَى لِنَفْسِهِ جَزَاءً عَلَى أَعْمَالِهِ تَعَيَّنَ أَنَّ اللَّهَ أَخَّرَ جَزَاءَهُمْ إلى حَيَاةٍ أُخْرَى وَإِلَّا لَكَانَ خَلْقُهُمْ فِي بَعْضِ أَحْوَالِهِ مِنْ قَبِيلِ اللَّعِبِ ) ) [6] .

ـ إذن كل الناس على يقين نظري تام بالآخرة عن طريق الاستنتاج، فمنهم من تفكر في ذلك ومنهم من تجاهله فأصبح يقينا نظريا فقط.

ـ كما أن كل الناس على يقين تام بأن الله بقدر على كل شيء، ويقدر على إحياء الميت بعد موته: (( قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأمر

(1) المدثر: 53

(2) الهداية إلى بلوغ النهاية ـ الناشر: مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة (12/ 8004)

(3) الروم: 8

(4) الحجر: 85

(5) آل عمران: 191

(6) التحرير والتنوير ـ الدار التونسية للنشر - تونس (25/ 310)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت