عظمة الله الهائلة وقدرته الفائقة وعلمه الهائل وأهوال القيامة ونعيم الجنة كل ذلك مسألة معلومات يقتنع بها الإنسان فحسب!!.
ـ بعض الناس اهتدوا بسبب أنهم رأوا أحدا مات فتأثرت مشاعرهم وأيقنوا بالموت وبأنهم سيموتون، خاصة لو كان صديقا حميما وكان شابا صغيرا.
ـ كل الناس يحبون المال ويكرهون الموت وهذا أمر مذموم، ولكن تزيد محبة المال وتزيد كراهية الموت حتى تصبح ذنبا عظيما، وهو ما يقع فيه الناس اليوم ففي الحديث: (( يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها فقال قائل ومن قلة نحن يومئذ قال بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم وليقذفن الله في قلوبكم الوهن فقال قائل يا رسول الله وما الوهن قال حب الدنيا وكراهية الموت ) ) [1] ، وحب الدنيا قد يكبر ليصبح عبادة للدنيا، وكراهية الموت قد تكبر لتصبح كفرا بالموت.
ـ فالإنسان يعيش ولا يريد أن يموت كأنه سيخلد في الدنيا ويحب المال حبا كبيرا ففي الحديث: (( يهرم بن آدم ويشب منه اثنتان الحرص على العمر والحرص على المال ) ) [2] ، وفي تفسير الخازن: (( {وتحبون المال حبًا جمًّا} أي كثيرًا، والمعنى يحبون جمع المال، ويولعون به وبحبه، {كلا} أي لا ينبغي أن يكون الأمر هكذا، من الحرص على جمع المال وحبه ) ) [3] ، فهذه الآيات والأحاديث لا تبين أن حب الدنيا وكراهية الموت طبيعة فطرية في الإنسان معذور بها، ولكن تبين أن هناك مرضا خطيرا متفشي بين الناس وهو الحرص على العمر وحب الدنيا حبا جما وكراهية الموت إلى درجة الرعب: (( قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فإنه مُلاقِيكُمْ ) ) [4] ، وهؤلاء عند احتضارهم أو عند الشدائد تجد عندهم رعب شديد من الموت، فهو لا يريد أن يموت، وربما كان سبب موتهم هو رعبهم من الموت، في حين تجد الصالحين عند احتضارهم يتقبلون أمر الموت وقد تجد ذلك في حديثهم عند الاحتضار.
ـ فالموت عند البعض هو الطامة الكبرى وهو نهاية الحياة، أما المؤمن فالموت عنده هو بداية الحياة الحقيقية وهو مجرد مرحلة ينتقل بها إلى الدار الآخرة، وهو مجرد ألم مؤقت عليه أن يتحمله ثم بعده يحيا مرة أخرى، وذلك لأن الآخرة هي حقيقة واقعة في ذهن المسلم وفي شعوره، فالأرواح لا تموت والجسد يتم تشكيله من جديد بشكل آخر، أما عند البعض فهي مجرد قناعات ومعلومات نظرية لا يحمل لها هما ولا ينشغل بها باله.
ـ من الآثار التي تدل على عدم وجود اليقين الحقيقي بالموت، هو أن البعض يعيش حياته كأنه لن يموت، فيهتم بمسكنه الذي يسكن فيه اهتمام من هو خالد فيه كأنه دار إقامته غير مبالي أن داره ليست هنا، ويهتم بصحته اهتمام من هو خالد كأنه لن يموت، ويهتم بممتلكاته اهتمام من هو خالد كأنه يأخذها معه عند رحيله من الدنيا، ويهتم بأمور الدنيا اهتمام من هو خالد فيها كأن الدنيا هي دار إقامته، ولذلك ففي تفسير الرازي: (( {وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ} المصانع مآخذ الماء، وقيل القصور المشيدة والحصون {لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ} ترجون الخلد في الدنيا أو يشبه حالكم حال من يخلد، وفي مصحف أبي:(كأنكم) ، وقرأ (تخلدون) بضم التاء مخففًا ومشددًا، واعلم أن الأول إنما صار مذمومًا لدلالته إما على السرف، أو على الخيلاء، والثاني: إنما صار مذمومًا لدلالته على الأمل الطويل والغفلة عن أن الدنيا دار ممر لا دار مقر )) [5] ، أما الإنسان الذي يوقن يقينا حقيقيا بأنه سيموت ويلقى الله فإنه يعيش مثل الذي يعيش في غربة في بلد ما، فليست قضيته واهتمامه الأكبر أن يبحث عن الراحة والطعام والشراب، فإنه ينتظر الراحة والطعام والشراب عند العودة إلى وطنه، أما طعامه وشرابه ومكان نومه وعيشه في بلد الغربة فهو كيفما اتفق يرضي بأي شيء يؤدي الغرض، فإن الذي يري أن طعامه إنما هو في الآخرة فإنه لا يهتم كثيرا بطعام الدنيا فهو كيفما اتفق، وإنما هو يأخذ زاد المسافر، وكذلك سكن الدنيا ومتطلباتها، ففي الحديث: (( عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليه عمر وهو على حصير قد أثر في جنبه فقال يا رسول الله لو اتخذت فراشا أوثر من هذا فقال: ما لي وللدنيا ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب سار في يوم صائف فاستظل تحت شجرة ساعة ثم راح وتركها ) ) [6] ، فالرسول
(1) قال الشيخ الألباني: صحيح (سنن أبي داود، ج: 4، ص: 111، برقم: 4297)
(2) قال الشيخ الألباني: صحيح (جامع الترمذي، ج: 4، ص: 570، برقم: 2339)
(3) تفسير الخازن ـ دار الكتب العلمية - بيروت (ج: 6، ص: 262)
(4) الجمعة: من الآية 8
(5) تفسير الرازي [مفاتيح الغيب ـ التفسير الكبير] ـ دار إحياء التراث العربي - بيروت (ج: 24، ص: 523)
(6) حديث صحيح (صحيح الترغيب والترهيب برقم 3283)