صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بذلك لم يكن يرفض التكنولوجيا والعلم الحديث والذي كان يتمثل في عهده في فراش لين بدلا من الحصير، لكن ذلك ليس الذي يشغل همه وفكره ومشاعره، وإنما الهم الأكبر الذي كان يشغل همه وفكره ومشاعره هو الآخرة، وفي الحديث عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: (( مر علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نعالج خصا لنا فقال ما هذا؟، فقلنا: قد وَهَى فنحن نصلحه، قال: ما أرى الأمر إلا أعجل من ذلك ) ) [1] ، وفي الحديث: (( إنما يكفي أحدكم ما كان في الدنيا مثل زاد الراكب ) ) [2] ، وقد كان الإمام أحمد بن حنبل يقول: (( إنما هو طعام دون طعام، ولباس دون لباس، وإنها أيام قلائل ) ) [3] .
ـ لكن الإنسان يعيش حياته وهو يتناسى الموت ويتغافل عنه ويتجاهله ويتشاغل ويتلهى عنه كأنه لن يموت، رغم اليقين النظري التام بالموت.
ـ الشعور بخطورة اقتراب الآخرة واقتراب الموت وقصر الحياة في الدنيا:
ـ الإنسان منذ أن يولد يبدأ العد التنازلي، فكلما مرت ساعة نقص من عمره ساعة، والعد التنازلي مستمر فأنت توشك أن تبلغ، فأنت منذ ولدت تقطع الطريق إلى الله توشك أن تبلغ، فكل يوم يمر من عمرك هو اقتراب من أجلك لتصل إلى لقاء الله تعالى، وفي حلية الأولياء: (( قال فضيل بن عياض لرجل: كم أتت عليك؟ قال: ستون سنة، قال: فأنت منذ ستين سنة تسير إلى ربك توشك أن تبلغ، فقال الرجل: يا أبا علي إنا لله وإنا إليه راجعون، قال له الفضيل: تعلم ما تقول؟ قال الرجل: قلت إنا لله وإنا إليه راجعون، قال الفضيل تعلم ما تفسيره؟، قال الرجل: فسره لنا يا أبا علي، قال قولك إنا لله، تقول: أنا لله عبد وأنا إلى الله راجع، فمن علم أنه عبد الله وأنه إليه راجع، فليعلم بأنه موقوف ومن علم بأنه موقوف فليعلم بأنه مسئول، ومن علم أنه مسئول فليعد للسؤال جوابا، فقال الرجل: فما الحيلة؟ قال: تستره، قال: ما هي؟ قال: تحسن فيما بقى يغفر لك ما مضى وما بقى، فإنك أن أسأت فيما بقى أخذت بما مضى وما بقى ) ) [4] ، فإنما أنت أيام معدودة، فإذا ذهب يوم ذهب بعضك، ويوشك إذا ذهب البعض أن يذهب الكل.
ـ فالدنيا هي وقت وجيز جدا ويمضي سريعا، وعمر الإنسان في الدنيا إلى عمره في الآخرة يكاد يكون صفرا، وما يتبقى من عمر الإنسان ليصل إلى الآخرة هو وقت وجيز جدا وسريع جدا، وهناك فرق بين اليقين النظري بضآلة قيمة الوقت الذي يقضيه الإنسان في الدنيا وسرعة مروره وبين شعوره بخطورة ذلك الأمر، فيشعر باقتراب الآخرة كأنها غدا ولا يبالي كثيرا فيما يحدث في هذا الوقت الوجيز لأنه يمضي سريعا.
ـ فمن عرف قصر حياته في الدنيا عرف اقتراب الآخرة، ومن عرف ضآلة الدنيا عرف خطورة الآخرة، ومن قصر أمله في الدنيا عرف الخلود فيها، ومن عرف ضآلة نفسه عرف عظمة ربه، ومن عرف في نفسه صفات النقص والضعف عرف صفات الكمال في الله تعالى.
ـ الشعور باقتراب الآخرة معناه الشعور كأن أهوال القيامة تهجم علينا، وتعنى أننا الآن في حالة استعداد وتأهب للقائها كاستعدادنا لحرب عدو قادم إلينا ففي تفسير الطبري: (( يعني تعالى ذكره بقوله(اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ) : دنت الساعة التي تقوم فيها القيامة، وقوله (اقْتَرَبَتِ) افتعلت من القُرب، وهذا من الله تعالى ذكره إنذار لعباده بدنوّ القيامة، وقرب فناء الدنيا، وأمر لهم بالاستعداد لأهوال القيامة قبل هجومها عليهم، وهم عنها في غفلة ساهون )) [5] .
ـ لو أن إنسان محكوم عليه بالإعدام وهو ينتظر تنفيذ الحكم وينتظر لقاء الله عن قريب، ماذا يمكن أن يفعل؟ وكيف يكون شعوره بالدنيا؟، هل يظل قلبه متعلقا بالدنيا وبما فيها؟، أم أنه سوف لا يتعلق قلبه إلا بالآخرة وما هو صائر إليه؟، إن جميع الناس في الدنيا محكوم عليهم بالإعدام بالفعل وليس على سبيل البلاغة، مع اختلاف كيفية الموت هل بالمرض أم حادثة أم بالقتل أم موت فجائي، إن عمر الإنسان في الدنيا ولو كان مائة سنة فهي سنوات قليلة وأيام معدودة لمن يعقل سواء في مرورها سريعا أو بالمقارنة بالخلود في الآخرة، إذن فالإنسان ينتظر قريبا تنفيذ الحكم بموته وانتقاله إلى الدار الآخرة فلابد أن يكون حاله مثل حال الإنسان المحكوم عليه بالإعدام وهو ينتظر تنفيذ الحكم بل
(1) قال الشيخ الألباني: صحيح (جامع الترمذي ج: 4، ص: 568، برقم: 2335)
(2) تحقيق الألباني: صحيح (انظر حديث رقم: 2384 في صحيح الجامع)
(3) صيد الخاطر ـ دار القلم - دمشق (1/ 447)
(4) حلية الأولياء وطبقات الأصفياء ـ دار الكتاب العربي - بيروت (ج: 8، ص: 113)
(5) تفسير الطبري ـ مؤسسة الرسالة (ج: 22، ص: 565)