أشد لأن تنفيذ الحكم هنا في أي لحظة مفاجئة دون معرفة الوقت المحدد لتنفيذ الحكم، فمن كان يوقن يقينا حقيقيا باقتراب الآخرة فإنه يوقن يقينا حقيقيا بقصر العمر في الدنيا وأنه على وشك الوصول إلى الآخرة، ومن كان يوقن بذلك فلن تتعلق مشاعره وهمومه وأهدافه بالدنيا إلا مثل عابر السبيل أو المسافر الذي يستعد للرحيل والعودة إلى بلده، خاصة وأن الدنيا ليست إلا دار تعب ونصب، لذلك في المثل: (الدنيا أشغال شاقة وآخرتها الإعدام) .
ـ فالحياة في الدنيا قصيرة: (( قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أو بَعْضَ يَوْمٍ فاسْأَلِ الْعَادِّينَ ) ) [1] ، (( وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إلا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ ) ) [2] ، (( وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ ) ) [3] ، (( كأنهم يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إلا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ) ) [4] ، (( كأنهم يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إلا عَشِيَّةً أو ضُحَاهَا ) ) [5] فالدنيا يومين يوم مضى وبقي يوم.
3 ـ انشغال الهموم
ـ الهدف (الهم) الأكبر والأهداف (الهموم) المؤقتة:
ـ الدنيا ليست إلا وسيلة يستعين بها المؤمن كما يستعين عابر السبيل أثناء سيره بشجره يستظل بها أو بشربة ماء يشربها أو بلقمة تسد جوفه، فالمال والعمل للكسب والزواج والطعام والشراب وتوفير المسكن وامتلاك وسائل التكنولوجيا وغيرها من أمور الدنيا ليست إلا وسائل تعين الإنسان في سفره، ولكن من الناس من تكون هذه الوسائل هي أهدافه فيعيش لجمع المال والطعام والشراب أو يعيش من أجل تربية أولاده مثلا فيكون ذلك هدفه الذي يعيش من أجله أو يعيش من أجل أن يتسلى بأي أمر من الأمور أو بهواية أو غير ذلك، وفي النهاية لا يحصد شيئا فيكون كالتائه الذي ضل الطريق.
ـ الإنسان الذي يريد أن يسافر إلى مكان ما، فهذا هو هدفه، ولكن أثناء سيره إلى ذلك المكان يريد أمور أخرى فهو يريد أن ينزل في استراحة يستريح فيها ويصنع كوخا مؤقتا يستظل به إلى أن يقوم، ويريد أن يأكل ويشرب، ولكن كل هذه الأهداف مؤقتة وعابرة وبسيطة ولا ينشغل بها كثيرا فهدفه الأكبر هو أن يصل إلى حيث يريد.
ـ فكذلك الهدف الأكبر الذي يسعى إليه الإنسان ويرجوه هو دخول الجنة والنجاة من النار، ولكن هناك أهداف أخرى دنيوية ولكنها عابرة ومؤقتة ولا ينشغل بها كثيرا، ففي الحديث عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: (( مر علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نعالج خصا لنا فقال ما هذا؟، فقلنا: قد وَهَى فنحن نصلحه، قال: ما أرى الأمر إلا أعجل من ذلك ) ) [6] .
ـ فالمسافر الراحل من بلد الغربة ليس عنده طول أمل فيها، والجاهل يلهيه طول الأمل عن سفره: (( ذَرْهُمْ يَاكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ) ) [7] .
ـ اليقين الحقيقي بالآخرة ولقاء الله واقترابهما يؤدي إلى انشغال الهم بذلك، وانشغال الهم بالآخرة ولقاء الله واقترابهما يتمثل في الشعور بالترقب والشعور بالغربة، ونوضح ذلك كالتالي:
(1) المؤمنون: 113
(2) يونس: من الآية 45
(3) الروم: من الآية 55
(4) الأحقاف: من الآية 35
(5) النازعات: 46
(6) قال الشيخ الألباني: صحيح (جامع الترمذي ج: 4، ص: 568، برقم: 2335)
(7) الحجر: 3