فهرس الكتاب

الصفحة 151 من 249

ـ لا يتحقق الإيمان حتى يكون الشعور بقدر الله أكبر من الشعور بقدر الدنيا، وحتى يكون الشعور بقيمة الآخرة والنفع فيها أكبر من الشعور بقيمة الدنيا والنفع فيها، فالله في الاقتناع النظري أكبر وأعظم من كل شيء، وكل إنسان يفهم ذلك جيدا، لكن في المشاعر فقيمة الدنيا والنفع فيها أكبر، كذلك لا يتحقق الإيمان عند الإنسان حتى يكون الله والآخرة أكبر أهدافه وطموحاته وحتى يكون الله والآخرة لهما وجود في همومه، فما بالك إذا لم يكن الشعور بقدر الله موجود أصلا ولم يكن الله والآخرة ضمن أهدافه أصلا.

ـ الشعور بضآلة الدنيا أمام الآخرة:

ـ إذا شعر الإنسان بأن الآخرة هي داره ومستقره وأن الدنيا ليست إلا ممر فيزول تعظيم الدنيا والمال والشهوات من عقله وقلب، لأنه لا وجه للمقارنة بين الدنيا والآخرة، فمن عرف حقيقة الآخرة وحقيقة ما بها من نعيم فإنه بالضرورة ينظر إلى شهوات الدنيا والأموال نظرة احتقار، وطالما أن الإنسان لا يزال ينظر إلى الأموال والشهوات والمناصب نظرة انبهار على أنها ذات قيمة كبيرة فهذا يدل على أن يقينه الحقيقي بالآخرة لم يتحقق، لأن من يوقن بالآخرة يقينا حقيقيا فإن الدنيا تصبح لا قيمة لها في عينه.

ـ الدنيا وما بها من مال وشهوات ومتع لا تساوي شيئا بالمقارنة بالآخرة، فمن يوقن بالآخرة يقينا حقيقيا تكون كل أموال الدنيا وشهواتها ومناصبها هي مثل الطين في نظره لأنه يقارنها بالآخرة فلا تساوي شيئا، وهو ينظر إلى من عنده قدر كبير من أموال الدنيا ومناصبها وشهواتها على أنه عنده قدر كبير من الطين، فلا ينظر له نظرة انبهار، وينظر إلى الفقير المعدوم على أنه عنده قدر قليل من الطين، وإذا ظلمه أحد فلا يتألم ويشتد حزنه لأنه يعلم أن ذلك الظالم مسكين قد أتعب نفسه وأخذ منه قدرا من الطين، وهذا لا يمنع من أن يطالب بحقه، أما الذي لا يوقن بالآخرة يقينا حقيقيا فإذا كان مظلوما أو فقيرا فإنه يكون دائم التسخط والتألم الشديد والحزن الشديد ودائم الشكوى وإذا خسر في تجارة أو أصابه مصاب قد يصاب بسكتة قلبية أو اكتئاب شديد جدا، وإذا كان ظالما أو غنيا فإنه يكون دائم التهلل والفرح الشديد ويعجب بنفسه بشدة ويتكبر على غيره، والذي لا يوقن بالآخرة يقينا حقيقيا فهو خائف خوف شديد جدا على صحته وعلى عمره لدرجة الهلع كأنه لا يريد أن يموت، وكذلك فهو خائف بشدة على ألا يفوته أو ينقص منه شيء من متع الدنيا وحريص بشدة كبيرة جدا على أن يفقد غيره من الناس متع الدنيا وألا يحصلوا على شيء من متعها حتى يكون هو الأعلى، وذلك لأن الدنيا ومناصبها وأموالها وشهواتها هي في نظره عظيمة وكبيرة جدا ويوم القيامة يفاجئ بأن كل ذلك كان مجرد طين وأنه كان حريصا على جمع الطين!، فالناس أمامهم جبل من الذهب الحقيقي وجبل من الطين، وهم يتهافتون ويتنافسون على جبل الطين الذي هو أموال الدنيا وشهواتها ومناصبها، ويتركون جبل الذهب الذي هو رضا الله وجنات النعيم.

ـ فالتأثر الشديد بظلم الظالم هو من الغباء لأن الدنيا ليست إلا طينا، فالظالم أخذ كثيرا من الطين والمظلوم عنده قليل من الطين.

ـ اليقين الحقيقي بالشيخوخة والتعرض للأمراض والمحن:

ـ إن كل إنسان عنده اقتناع نظري تمام وبلا أدنى شك أنه قد يصل إلى سن الشيخوخة وتضعف قواه أو أنه قد يتعرض لأمراض أو محنة، لكن بلسان المشاعر فكأنما يقول: لن أمرض أو أضعف أو أصل إلى الشيخوخة أو لا أريد أن أمرض أو أضعف أو أصل إلى الشيخوخة، فهذا في لغة المشاعر هراء ولا يمكن أن يحدث أبدا! (( وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ) ) [1] ، إن الإنسان لو انتبه فعلا لأنه قد يتعرض للمرض والمحن لشعر بالخوف والقلق وشعر بمدي ضعف الإنسان وشعر بأن هناك قوة أعلي من الإنسان تفعل به ما تشاء، وشعر بالخضوع لهذه القوة، ولتغير حاله تماما، ولذلك من الناس من إذا وصل إلى سن الشيخوخة، أو من النساء من إذا وصلت إلى سن اليأس، أو إذا تعرض لمرض أو محنة فإنه يستنكر ذلك ولا يسلم به ويحدث له اكتئاب شديد لأنه لا يريد لنفسه أن يمرض ولا يريد أن يموت رغم أن الناس من حوله يمرضون ويموتون، فهو بمشاعره يعترض أولا على إمكانية حدوث المرض أو المحنة، وينشأ عن ذلك أنه

(1) البقرة: 96

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت