فالله حكم أنها دار شقاء وتعب وليست دار سعادة، ولكن هناك من لا يزال يتسابق في جمع الدنيا من الأموال والأولاد والمناصب والشهوات، فهو كمن يخبط رأسه في الحائط لأنه لن يجني شيء، أما دار السعادة فهي في الآخرة، إن الذي يشعر بأن الدنيا دار مؤقتة والآخرة دار إقامة وأنه يعيش في غربة يرضي بما عنده من طعام وشراب ومسكن .... الخ ويقنع به ولا يكون عنده طول أمل وطموحات في جلب المزيد من الطعام والشراب والسكن والمتع والشهوات لأنه في غربة، فالذي يعيش مغتربا في بلد ما فإنه لا يبالى بالطعام والشراب .. الخ، فيكون طعامه وشرابه كيفما اتفق لأن طعامه وشرابه ومتعه عندما يعود إلى وطنه ومسكنه في دار الآخرة.
ـ فالذي يبحث عن شهوة النساء الفاتنات لا يجب أن يبحث عنها في الدنيا وإنما يبحث عنها في الجنة، والذي يتطلع إلى مسكن فاره أو قصر مشيد يتطلع إلى ذلك في الجنة، والذي يتطلع إلى أن يشرب الخمور ويرقص مع النساء يتطلع إلى ذلك في الجنة، وهكذا، إذن فالإسلام جميل جدا ولذيذ وليس أعباء وتكاليف ويحقق للإنسان السعادة الحقيقية في الدنيا والآخرة حيث السعادة النفسية وراحة البال في الدنيا مع الحياة الطيبة ففي تفسير ابن كثير: (( {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أو أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} ، هذا وعد من الله تعالى لمن عمل صالحا ـ وهو العمل المتابع لكتاب الله تعالى وسنة نبيه من ذكر أو أنثى من بني آدم، وقلبه مؤمن بالله ورسوله، وإن هذا العمل المأمور به مشروع من عند الله ـ بأن يحييه الله حياة طيبة في الدنيا وأن يجزيه بأحسن ما عمله في الدار الآخرة ) ) [1] .
ـ الشعور بأن الآخرة خير وأبقى:
ـ الإنسان يعيش الحياة مرتان أو يعيش حياتان: (( قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ ) ) [2] ، (( كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إليه تُرْجَعُونَ ) ) [3] ، (( وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الإنسان لَكَفُورٌ ) ) [4] ، ولابد من الشعور بأن الحياة في الآخرة أفضل (( قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخرة خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى ) ) [5] ، (( وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إلا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآخرة خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ ) ) [6] ، (( وَلَأَجْرُ الآخرة خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ) ) [7] ، (( وَالآخرة خَيْرٌ وَأَبْقَى ) ) [8] .
ـ إذا كان الإنسان يوقن يقينا حقيقيا بأن الحياة الأخروية خير وأبقى من الحياة الدنيوية فلابد أن يكون تعلق مشاعره وهمومه وأهدافه بالآخرة أكبر من تعلقها بالدنيا، وإذا شعر الإنسان أن هناك حياة أفضل بديلة عن هذه الحياة الدنيوية فلن يتشبث بها، فمن أثر ذلك مثلا أن الإنسان إذا أيقن يقينا حقيقيا بالحور العين وأن ذلك قريبا فلن ينظر إلى العاريات ويصبر عن النظر إليهن لأن هناك البديل الأفضل القريب المنال، وإذا أيقن يقينا حقيقيا بأن كل ما في الدنيا من متع مجرد أسماء فقط وأن المتع الحقيقية إنما هي في الجنة فلن يلهث وراء متع الدنيا وسيصبر عنها ولن يعبأ بها لأنه قريبا سيصل إلي البديل الأفضل قريبا جدا، ولذلك نجد الآية مقترنة بالصبر: (( فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا، إنهم يَرَوْنَهُ بَعِيدًا، وَنَرَاهُ قَرِيبًا ) ) [9] .
ـ (( وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلا تَعْقِلُونَ ) ) [10] فما أوتيت من مال وصحة وهواء ومال وعقارات ومظاهر ومناصب ... الخ فمتاع الحياة الدنيا الضئيلة الزائلة، وما عند الله خير وأبقى.
ـ إن الدنيا ليست بشيء، ولو كانت الدنيا ذهبًا يفنى والآخرة خزفًا يبقى لكان العاقل اللبيب هو من يفضل الخزف الباقي على الذهب الفاني، فكيف والدنيا خزف يفنى والآخرة ذهب يبقى؟!، كيف يفضل الخزف الفاني على الذهب الباقي؟!، كيف نتهالك على الدنيا ونحن راحلون عنها؟!، ذلك لأن الشعور بخطورة الآخرة غير موجود عندنا.
(1) تفسير ابن كثير ـ دار طيبة للنشر والتوزيع (ج: 4، ص: 601)
(2) غافر: من الآية 11
(3) البقرة: 28
(4) الحج: 66
(5) النساء: من الآية 77
(6) الأنعام: 32
(7) يوسف: 57
(8) الأعلى: 17
(9) المعارج: 5 ـ 7
(10) القصص:60