ـ ثانيا: عمل المشاعر (انتقال المشاعر)
ـ عندما يشعر الإنسان بضعف نفسه وضآلة الدنيا ويشعر بقوة الله وخطورة الآخرة، تبتعد مشاعره عن الدنيا وتتعلق بالله والآخرة، فتتفرغ المشاعر المتعلقة بغير الله وما يتصل به، أي يخرج حب الدنيا من القلب.
ـ مفهوم انتقال المشاعر:
ـ مشاعر الإنسان وهمومه وأهدافه وعمله تسير في اتجاه ما يوقن به الإنسان، فإذا كان الإنسان يوقن يقينا حقيقيا بعظمة قدر الله وخطورة الآخرة وضآلة الدنيا فإن مشاعره وهمومه وأهدافه وعمله تسير في اتجاه التعلق بالله والآخرة مبتعدة عن الدنيا، وإذا كان حقيقة اليقين عند الإنسان هو أن الدنيا وما بها من شهوات ومال وجاه هي الحياة ولا شيء غيرها فإن مشاعره وهمومه وأهدافه وعمله تسير في اتجاه التعلق بالدنيا مبتعدة عن الله والآخرة.
ـ مشاعر الإنسان ترتبط بالأمر المؤثر الخطير القوي الذي له القدرة على النفع والضرر، وتبتعد عن الأمر الغير مؤثر الضعيف الذي ليس له قدرة على النفع والضرر.
ـ الله هو القوي وحده وهو النافع الضار وحده، وكل ما سواه ضعيف ولا ينفع أو يضر، فمن شعر بذلك تعلقت مشاعره بالله وابتعدت عما سواه.
ـ الإنسان إما أنه يشعر بأنه قوي بما عنده من النعم والدنيا ويتجاهل قوة الله وعندئذ تتعلق مشاعره بنفسه وبالدنيا ولا تتعلق بالله وما يتصل به، وإما أنه يشعر بأنه ضعيف وبأن الله هو القوي وعندئذ تتعلق مشاعره بالله وما يتصل به ولا تتعلق بنفسه وبالدنيا.
ـ ابتعاد المشاعر عن النفس والدنيا هو الشعور بالخضوع والتوكل والرضا بالقضاء والقدر والشعور بالراحة النفسية (حلاوة الإيمان) ، وانتقال المشاعر إلى الله وما يتصل به هو الشعور بحب الله والخوف من مهابته والخوف من عقابه ورجاءه وحب الرسول والمؤمنين وحب الدين.
ـ فالإنسان لابد له أن يحب، فإذا لم يحب الله أحب الشهوات، وكلما زاد حبه للشهوات نقص حبه لله، والعكس صحيح، وكذلك باقي المشاعر، فيقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (( كُلَّمَا قَوِيَتْ مَحَبَّةُ الْعَبْدِ لِمَوْلَاهُ صَغُرَتْ عِنْدَهُ الْمَحْبُوبَاتُ وَقَلَّتْ، وَكُلَّمَا ضَعُفَتْ كَثُرَتْ مَحْبُوبَاتُهُ وَانْتَشَرَتْ، وَكَذَا الْخَوْفُ وَالرَّجَاءُ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَإِنْ كَمُلَ خَوْفُ الْعَبْدِ مِنْ رَبِّهِ لَمْ يَخَفْ شيئا سِوَاهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إلا اللَّهَ} وَإِذَا نَقَصَ خَوْفُهُ خَافَ مِنْ الْمَخْلُوقِ وَعَلَى قَدْرِ نَقْصِ الْخَوْفِ وَزِيَادَتِهِ يَكُونُ الْخَوْفُ كَمَا ذَكَرْنَا فِي الْمَحَبَّةِ وَكَذَا الرَّجَاءُ وَغَيْرُهُ ) ) [1] .
ـ المشاعر قسمين هما:
1ـ مشاعر ناشئة من العلاقة بين الضعيف والقوي:
ـ الضعيف يخضع للقوي ويحبه إعجابا بقوته ويخاف من مهابته، وهذه المشاعر تستمر مع المؤمن حتى وهو في الجنة، وهي موجودة أيضا عند الملائكة والجمادات: (( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ ) ) [2] ، (( وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ ) ) [3] ، والأنبياء يتلعثمون في الجواب من خوف المهابة يوم القيامة: (( يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا ) ) [4] .
(1) مجموع الفتاوى ـ مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية (1/ 94)
(2) الحج: 18
(3) الرعد: 13
(4) المائدة: 109