فهرس الكتاب

الصفحة 131 من 249

تخرج روحه بصعوبة لتعلقها بهذه النعم، ويكره مَنْ يقبض روحه لأنه لا يشعر بأنها أمانة أو عارية يستردها صاحبها (وهو الله سبحانه) ، ولا يشعر أنه هو نفسه ملك لله تعالى، ولذلك علمنا الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن نقول إذا توفي أحد: (( لله ما أخذ وما أعطى وكل شيء عنده إلى أجل ) ) [1] .

ـ فيجب أن يشعر الإنسان بقيمة الماء الذي يشربه فهو محض نعمة عظيمة من الله على العبد ولكننا لا نشعر بعظمة النعم واحتياجنا إليها وأنها محض تكرم من الله وأنها ليست ملكا لنا ولا حقا لنا ففي الحديث: (( لما نزلت {ثم لتسألن يومئذ عن النعيم} قال الزبير وأي نعيم نسأل عنه وإنما هو الأسودان التمر والماء قال أما إنه سيكون ) ) [2] أي سيكون من النعيم أن تسأل عن هذا التمر والماء، وفي الحديث: (( يؤتى بالعبد يوم القيامة فيقال له ألم أجعل لك سمعا وبصرا ومالا وولدا وسخرت لك الأنعام والحرث وتركتك ترأس وتربع فكنت تظن أنك ملاقي يومك هذا فيقول لا، فيقول له اليوم أنساك كما نسيتني ) ) [3] ، وفي حديث آخر: (( ... فيقول أي فل ألم أكرمك وأسودك وأزوجك وأسخر لك الخيل والإبل وأذرك ترأس وتربع فيقول بلى أي رب، فيقول أفظننت أنك ملاقي فيقول لا، فيقول إني أنساك كما نسيتني ... ) ) [4] .

ـ والإنسان يظن أن ما به من روح هو أمر عادي وأن هذه الروح ملكا له وبها حياته الخاصة.

ـ المالك يعني أن الله له ملكية كل شيء، فإذا ما تنازل الإنسان عن كل ما يملك وعن نفسه لينسب ذلك إلى الله المالك الحقيقي فيشعر أن ذلك محض تكرم وإنعام من الله فيحبه ويذل لعطاءه مدين له بالولاء مرهونا وأسيرا لفضله منكسر النفس غير حر لأنه عنده النقص والعوز معترفا بذلك غير قادر على أن يقيت نفسه (فالله هو المقيت أي الذي يعطيه القوت) والله يمده باللقمة التي يأكلها وهو أسير وعبد لإحسانه منكسر المشاعر يشعر بالعجز أمامه ويشعر بأنه ما له حول ولا قوة، ومن هنا يحدث كمال الحب والخضوع لله، كما أن المالك يفعل فيما يملك ما يشاء فله حق الأمر والنهي، وقد جاء في تفسير معنى (إنا لله) في الآية: (( الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إليه رَاجِعُونَ ) ) [5] أي: (( {الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ} أَيْ تَسَلَّوْا بِقَوْلِهِمْ هَذَا عَمَّا أَصَابَهُمْ وَعَلِمُوا أَنَّهُمْ مِلْكٌ لِلَّهِ يَتَصَرَّفُ فِي عَبِيدِهِ بِمَا يَشَاءُ ) ) [6] وبالتالي الخضوع لأمر الله ونهيه.

ـ صعوبة الشعور بأن الله هو المالك (صعوبة الشعور بالخضوع) :

ـ ما يملكه الإنسان من ممتلكات يمثل حياة الإنسان وراحته ويجد فيها متعه وشهواته، وبالتالي أصعب شيء على الإنسان هو أن يتجرد من كل ما يملك لينسبه إلى مالكه الحقيقي وهو الله سبحانه (أي الشعور بأن الله هو المالك) كما يتجرد من كل الصفات التي يعتز بها كالقوة والإرادة والسمع والبصر لينسب كل الأشياء إلى مالكها الحقيقي وهو الله سبحانه، أي ينسب الإنسان لنفسه كل صفات النقص والعوز والعجز والحاجة والضعف، وينسب كل صفات الكمال لله، وهذا معناه النقص والضعف والاحتياج إلى الله، والنفس لا تريد أن تكون تابعة لغيرها، تريد أن تكون مستقلة متحررة ذاتية معتمدة علي نفسها لا معتمدة علي غيرها (الله سبحانه) فلا تريد أن يكون فيها نقص أو عوز، كما تريد أن تكون مالكة تدير نفسها وترزق نفسها، والإنسان يظن أنه غير محتاج لغيره، والله هو الصمد أي الذي يحتاجه الناس، والنفس لا تريد أن تخضع وتركع لمن يمن عليها ولمن له قدرة عليها كما ترفض أن تعترف بعجزها أمام من هو أقوى، فالنفس تريد أن تتصرف كما لو كانت هي التي أوجدت نفسها أو أنه لا أحد أوجدها، رغم أنه في الاقتناع النظري تعلم بأن لها خالق: (( أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ ) ) [7] ، فالنفس تريد أن ينصرف الذهن والقلب لها لا لغيرها، والإنسان يظن أنه هو الذي يملك ويظن أنه هو العليم الحكيم الذي يستطيع أن يدير نفسه بنفسه، ولا يحتاج لعلم غيره وهو بذلك لا يشعر بأن الله هو الصمد (الصمد أي الذي يحتاج إليه الناس في كل شيء) .

(1) قال الشيخ الألباني: صحيح (سنن أبو داود ج: 3، ص: 193، برقم 3125)

(2) قال الشيخ الألباني: حسن (سنن ابن ماجة، ج: 2، ص: 1392، برقم 4158)

(3) تحقيق الألباني: صحيح (صحيح الجامع: برقم 7997)

(4) تحقيق الألباني: صحيح (صحيح الجامع: برقم 7032)

(5) البقرة: 156

(6) تفسير ابن كثير ـ دار الكتب العلمية - بيروت (1/ 338)

(7) الطور: 35

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت