ـ السعادة مخلوقة وهي ملك لله تعالى:
ـ الشعور باللذة والمتعة والسعادة أو بالألم والضيق والعذاب هو عبارة عن إشارات عصبية يتم ترجمتها في المخ فيحس الإنسان بالألم مثلا، فإن الله هو الذي صنع هذه الطريقة وهذه الأجهزة كما أنه يستطيع أن يجعلك تشعر بالسعادة بغير هذه الطريقة وبدون سبب إذا أراد، إن الناس يسعون إلى الشهوات لما يجدون فيها من الشعور باللذة والمتعة والسعادة، فإن الله هو الذي خلق لك هذه الترجمة في المخ لتشعر باللذة، كما أن الله سبحانه هو الذي جعل الطعام والشراب والجماع فيه لذة ولو شاء لسلب هذه اللذة وعندئذ فالناس سوف تبتعد عن الطعام وعن الزواج فتضيع الذرية ويهلك الناس، فمثلا الله سبحانه سلب خاصية الإحراق من النار فلما وضعوا سيدنا إبراهيم فيها لم يضره شيء، وكذلك فالله هو الذي جعل الألم يحدث عندما يمرض الإنسان حتى يلجأ إلى الله ثم يسعى للأخذ بأسباب الشفاء ولولا ذلك لبقي المريض حتى يموت لأنه لا يشعر بالألم، فاللذة في الطعام والشراب والجماع هي نعم أعطاها الله سبحانه للبشر فأقبلوا على هذه النعم ونسوا من أنعم بها عليهم، فبدلا من أن تكون سببا لمعرفة الله أصبحت سببا لنسيان الله تعالى فانشغلوا بالنعمة عن المنعم، إذن الألم واللذة هي خواص مخلوقة موضوعة في الأشياء، وإحساسك بالسعادة هو أمر موضوع بداخلك، وهذا يعني الشعور بالاستسلام والخضوع لله، ويعني التوكل على الله، فهو وحده الذي بيده سعادتك، فإن الله هو الذي يملك السعادة فيعطيها فقط للمؤمن لأن السعادة الحقيقية هي السعادة النفسية وهي فقط للمؤمن، فما بال ملوك الأرض؟ والأرض كلها والأموال بين أيديهم و المعيشة الضنك لهم!، لذلك قال أحد العارفين بالله: لو يعلم الملوك ما نحن عليه لقاتلونا عليها بالسيوف: (( الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ ) ) [1] ، (( مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أو أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) ) [2] ، أما غيرهم فمحرومون من السعادة النفسية: (( وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أعمى(124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أعمى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا (125) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى )) [3] .
ـ إن معني أن الله هو المالك وأن الإنسان لا يملك شيئا هو أن يتنازل الإنسان عن كل شيء يملكه (يتنازل عن نفسه وممتلكاته وأهله وكل شيء) وينسبه إلى الله، وهذا هو أصعب شيء علي الإنسان، فالنعم فيها متع للإنسان، كما أن التنازل عن كل شيء معناه الاستسلام والشعور بالخضوع والذل لمَنْ يملك روحك، وأن تقبل الذل في أن ما عندك إنما هو محض تكرم وإنعام ومنة من الله عليك.
ـ تخيل أنك تعيش في مسكن أحد الناس وتأكل من طعامه وينفق عليك من ماله فبماذا تشعر وكيف يكون حالك؟، وكذلك الحال فالمسكن الذي تسكن فيه ليس ملكا لك، إنما هو ملك لله، وكذلك المال الذي معك إنما أعطاك إياه الله وهو مال الله، ولذلك إذا أردت أن تعصي الله فاخرج من تحت سماءه ومن فوق أرضه واخرج من ملكه إن استطعت!!.
ـ فالنفس تأبي أن تنكسر وتريد أن تكون هي المالكة ولا تريد أن يمن أحد عليها بعطاء أو يتكرم عليها بفضل، وأصعب شعور علي النفس هو الذل فلا تريد أن تركع وتسجد، فالركوع والسجود معناه الإقرار بالذل والاعتراف بالنقص، لذلك قد يركع الإنسان ويسجد بجسده لكن النفس تأبى أن تركع وتسجد أي تأبى أن تقر بالذل وتعترف بالنقص، وركوع الجسد عندئذ وسجوده لا قيمة له، والإنسان يظن أنه هو الذي جلب هذه النعم لنفسه لذلك فهو يخضع لنفسه وهواه: (( أَرَأيتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأنت تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا ) ) [4] .
ـ الإنسان ليس صاحب النعمة ولا الذي أنعم بها علي نفسه، فالإنسان قد يظن أنه هو الذي جلب النعمة لنفسه من عقله وكده وتعبه كما قال قارون: (( إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي ) ) [5] كالمال والمسكن والعمل والجاه والسلطان فيظن أنها ملكا له وأنه مستحق لها، لذلك عند الموت فلا يريد أن يترك النعم كالمال والمسكن والزوجة والأولاد والجاه والسلطان أو نعم كالعين والأنف والصحة ... الخ، ولأنه يظن أنها ملكا له ولا يحق لأحد أن يأخذها وإلا كان ظالما ولذلك عند الموت
(1) الأنعام: الآية 82
(2) النحل: الآية 124 ـ 126
(3) طه: من الآية 17
(4) الفرقان: 43
(5) القصص: من الآية 78